admin
24-09-2005, 02:26 AM
الجات ومنظمة التجارة العالمية تُشكلان اثنتين من أهم المصطلحات المتداولة حالياً على الصعيد الدولي، ما بين مؤيدين رسميين وشعبيين يرون تحرير التجارة هو المستقبل والسبيل الوحيد للإصلاح الاقتصادي، وما بين رافضين يغرقون الشوارع بمظاهراتهم مع كل اجتماع للمنظمة حيث ينظرون لها على أنها ولدت لتأخذ من الفقراء لتملأ جيوب الأغنياء. وهنا سنحاول التعرض للاتفاقية والمنظمة ونشأتها ومبادئها ومميزات وعيوب الانضمام لها:
النشأة:
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945م كان التوجه آنذاك أن يقوم النظام الاقتصادي العالمي على ثلاث ركائز مؤسسية جديدة تتمثل الأولى في إنشاء صندوق النقد الدولي، ليتولى إرساء قواعد النظامين المالي والنقدي، ومعالجة عجز موازين المدفوعات، والثانية في إنشاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ليقوم بمهمة التمويل التنموي وإعادة الأعمار، وأخيراً أن يُعهد إلى مؤسسة دولية ثالثة بمسؤولية تنظيم التجارة الدولية، والعمل على تحريرها.
وقد تم بالفعل إعلان تأسيس الصندوق والبنك الدوليين في مؤتمر "بريتون وودز" عام 1944م، كما عقد في "هافانا" عام 1947م مؤتمر "للتجارة والعمالة" بهدف إرساء قواعد منظمة للتجارة الدولية وتحديد اختصاصاتها، إلا أن ميثاق "هافانا" لم يكتب له النجاح لعدم تصديق الولايات المتحدة الأمريكية عليه، واستمر العمل على تطوير هذا الميثاق ليتحول إلى ما أصبح يعرف بالاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة (الجات )
ثم جاء إنشاء "منظمة التجارة العالمية WTO" لتحل محل الاتفاقية للتعريفة والتجارة "الجات GATT" اعتباراً من أول يناير 1995م، وذلك لتلافي أوجه القصور في اتفاقية الجات، وإدراج قطاعات حيوية لأول مرة في نطاق صلاحيات هذه المنظمة الجديدة. وقد كان في طليعة ذلك: القطاع الزراعي، الذي بلغ حجم تجارته الدولية عام 1996م حوالي (1220) بليون دولار، وقطاع تجارة الخدمات الذي بلغت تجارته عام 1997م حوالي (2597) بليون دولار، إضافة إلى حقوق الملكية الفكرية، والأنشطة التجارية ذات الصلة بالاستثمار. وانطلاقا من هذه الخلفية التاريخية الموجزة لقيام منظمة التجارة العالمية نجد أنها قامت لإرساء وترسيخ الالتزام بعدد من المبادئ الأساسية في العلاقات التجارية المتعددة الأطراف منها:
الأول: مبدأ معاملة الدولة الأولى بالرعاية وبمقتضى هذا المبدأ تلتزم كل دولة عضو تقدم أي ميزة تفضيلية في تعاملها مع دولة أخرى بمنح المعاملة التفضيلية نفسها لجميع الدول الأعضاء في المنظمة، تحقيقاً لمبدأ عدم التمييز في المعاملات التجارية الثنائية. ويستثني من ذلك المزايا المتبادلة في إطار الاتحادات الجمركية، ومناطق التجارة الحرة بالإضافة إلى المعاملات التفضيلية الممنوحة من بعض الدول المتقدمة لعدد من الدول النامية بموجب نظام الأفضليات المعمم (GSP).
الثاني: مبدأ المعاملة الوطنية ويقضي هذا المبدأ في جوهره بعدم التمييز بين المنتجات المحلية والمماثلة لها من المستورد، وذلك من حيث الرسوم المحلية والضرائب والمواصفات القياسية.
الثالث: مبدأ الشفافية ويقصد به وجوب نشر معلومات واضحة ودقيقة عن جميع القوانين والأنظمة واللوائح الوطنية ذات الصلة بالقطاعات المندرجة تحت مظلة منظمة التجارة العالمية.
الرابع: مبدأ حماية الصناعة المحلية الناشئة إذ تقر المنظمة بأن الدول الأعضاء قد تحتاج إلى حماية الصناعة الناشئة ذات الحساسية في مواجهة المنافسة الحادة، ولكنها تشترط أن تكون هذه الحماية في حدودها الدنيا، وأن تقتصر على فرض الرسوم الجمركية المعقولة. كما تشترط قواعد المنظمة تخفيض التعريفة الجمركية عموماً وتحديد سقوفها العليا عند مستويات منخفضة لا يجوز زيادتها في المستقبل، مع التأكيد على ضرورة إزالة الحواجز الأخرى غير الجمركية.
و بالنظر للانعكاسات الإيجابية والسلبية لعضوية المنظمة، نجد أنه من الطبيعي أن يختلف تأثير الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأوروجواي، باختلاف الدول والمجموعات الاقتصادية، من حيث مدى انفتاحها على الأسواق العالمية، ودرجة اندماجها في الاقتصاد الدولي، والتركيبة السلعية لصادراتها ووارداتها، وما تتمتع به من مزايا نسبية طبيعية وقدرات تنافسية، وعلى طبيعة السياسات الاقتصادية الوطنية. وبالحديث عن الجوانب الإيجابية والسليبة لعضوية منظمة التجارة نجد:
أولاً: الجوانب الإيجابية للعضوية:
1.إن تحرير التجارة الدولية سوف يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد العالمي، ومن شأن زيادة النمو الاقتصادي ارتفاع الطلب على مختلف أنواع السلع والخدمات الأمر الذي يؤدي إلى انتعاش الاقتصاديات ونموها. وفي هذا السياق تشير تقديرات منظمة التجارة العالمية إلى أن التطبيق الكامل لاتفاقيات الجات بحلول عام 2005م سوف يؤدي إلى زيادة حجم التجارة الدولية بما قيمته (500) بليون دولار سنوياً. مع العلم بأن حجم المبادلات التجارية عام 1997م بلغ (13.3) تريليون دولار.
2. زيادة فرص النفاذ للأسواق الخارجية نتيجة لإلغاء الرسوم أو تخفيضها، وإزالة العوائق التي تواجه صادرات الدولة النامية.
3. تكثيف الاستفادة من المزايا النسبية التي يتمتع بها الكثير البلدان النامية في العديد من السلع، كالمنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية والبتروكيماويات.
4. تحكم العلاقات بين الدول الأعضاء في المنظمة مدونة لقواعد السلوك في التجارة الدولية، كما يجري حسم المنازعات التجارية من خلال آلية فعالة ذات قرارات ملزمة لجميع الأعضاء.
5. ضمان عدم التمييز في معاملة السلع المتبادلة فيما بين الدول الأعضاء في المنظمة.
6. الاستفادة من جميع المزايا المتبادلة بين الدول الأعضاء الناجمة عن تحرير تجارة السلع والخدمات وفقاً لمبدأ الدولة الأولى بالرعاية.
7. تؤكد قواعد المنظمة على مكافحة الإغراق في التجارة الدولية الأمر الذي يتيح فرصة أكبر لتسويق الإنتاج المحلي دون ضغوط أو منافسة غير عادلة.
8. لجميع الدول الأعضاء حق المشاركة في مجالس المنظمة ولجانها وبالتالي إمكانية الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارة خلال جولات المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف.
9. يؤدي تطبيق الاتفاقية المتعلقة بالاستثمار إلى تهيئة الظروف المواتية لجذب التدفقات الاستثمارية.
10. تسهم الاتفاقيات العامة للتجارة في الخدمات (الجات) في رفع كفاءة أداء هذا القطاع، وخفض تكاليفه لصالح المستهلك. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن قطاع الخدمات يكتسب أهمية متزايدة في الاقتصادي الدولي حيث يمثل في المتوسط نحو (40%) من الناتج الإجمالي العالمي.
11. تتعهد الدول الأعضاء في المنظمة بتحسين كفاءة الإنتاج، وتطبيق المواصفات القياسية المعتمدة، وضمان الجودة النوعية للسلع المتبادلة، وخلوها من أنواع الغش التجاري، أو ما يضر بالصحة العامة وسلامة الإنسان.
12. تكفل اتفاقيات المنظمة للدول الأعضاء اتخاذ التدابير الأزمة لحماية القيم الدينية والأخلاقية والتراث الثقافي والصحة البشرية والحيوانية.
ثانياً: الجوانب السلبية لعضوية المنظمة:
1. ارتفاع وتيرة المنافسة في الأسواق المحلية، الأمر الذي سيجعل من الصعب على الصناعات الضعيفة، أو ذات الجودة المتدنية الصمود في وجه المنافس.
2. احتمال ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية كالحبوب، ومنتجات الألبان، نتيجة لإزالة الدعم عليها من قبل الدول المتقدمة.
3. إن المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لمنتجات بعض الدول النامية في أسواق الدول الصناعية وبخاصة المنتجات الزراعية والملابس والمنسوجات سوف تتلاشى عند اكتمال تطبيق أحكام اتفاقية الجات.
4. تهدف اتفاقية الجات إلى إزالة الرسوم الجمركية تدريجياً، وحيث أن بعض الدول مازالت تعتمد على حصيلة الرسوم الجمركية كمورد مهم من موارد الخزينة العامة، فإن عضوية المنظمة تحتم السعي لتطوير مصادر بديلة للإيرادات.
5. نتيجة لتطبيق قاعدة الالتزام الواحد "SIGNLE UNDERTAKING" أصبحت جميع الدول الأعضاء أطرافاً في الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي، وبخاصة المدونات الملحقة بها التي كانت اختيارية آنذاك.
وفي مقدمة ذلك: اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية والتثمين الجمركي، وتراخيص الاستيراد، والقيود الفنية للتجارة (TBT). إلا أنه بالنظر للصعوبات التي عبرت عنها الدول النامية أو الأقل نمواً في القبول الفوري لجميع تلك الالتزامات أو معظمها، فقد نصت بعض اتفاقيات (المنظمة) على منح معاملة خاصة لهذه البلدان على النحو التالي:
* منح البلدان النامية فترة انتقالية لتطبيق بعض الالتزامات.
* إطالة الفترات الانتقالية لأقل البلدان نمواً وإعفائها من بعض الالتزامات وتحسين فرص نفاذ منتجاتها إلى أسواق البلدان المتقدمة.
* توفير المساعد الفنية للدول النامية أو الأقل نمواً.
و إذا انتقلنا إلى الموضوعات التي لم يُبت فيها وتشكل تحديات لهذه المنظمة في المستقبل القريب؛ نجد أن هناك بعض المسائل التي لم يتم التعامل معها بعمق في الاتفاقيات الحالية، ومن أبرزها ما يلي:
أ? ) التجمعات الاقتصادية الإقليمية
ب?) التجارة والبيئة حيث لا توجد من بين الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي أية اتفاقية تتعامل مع المسائل البيئية.
ت?) التجارة الإلكترونية: وتشمل ممارسة أنشطة الإنتاج والإعلان والبيع والتوزيع للمنتجات (السلع والخدمات) عن طريق وسائل الاتصالات الإلكترونية وشبكات المعلومات.
وقد اعتمد المؤتمر الوزاري الثاني الذي عقد مؤخراً في جنيف إعلاناً وزارياً يتضمن تكليف المجلس العمومي للمنظمة بوضع برنامج عمل شامل لدراسة الجوانب المتصلة بالتجارة الإلكترونية، وتلتزم الدول الأعضاء في المنظمة بموجب هذا الإعلان بالاستمرار في النهج الحالي بعدم فرض رسوم جمركية على التجارة الإلكترونية.
ث?) حقوق العمال: ومن المتوقع أن تتضمن هذه الاتفاقية على أحكام ومعايير تتعلق بالنقابات العمالية، ومنع العمل القسري، وعدم استغلال الأطفال في العمل، ووضع حدود دنيا للأجور.
ج?) الخدمات المهنية: وتتمحور في تطوير قواعد، وأدلة تنظم ممارسة الخدمات المهنية على المستوي الدولي.
بهذه النبذة نكون قد حاولنا إلقاء الضوء على هذه المنظمة وأبرزنا أن المرحلة القادمة تنطوي على تحديات كبيرة للدول النامية عموماً، تتمثل في مدى قدرة هذه الدول على تكييف أوضاعها، وأنظمتها، وقوانينها بصور تمكنها من الوفاء بالتزامات واستحقاقات العضوية، والحفاظ في الوقت ذاته على مصالحها، وصيانة مكتسباتها، وتعظيم المردود والفوائد من هذه العضوية .
تعتبر منظمة التجارة العالمية الحلقة الأخيرة –حتى الآن– في منظومة الاقتصاد العالمي المعاصر الذى يتسم بهيمنة النظام الرأسمالي بنظمه الاقتصادية والسياسية، وبناء على ذلك تعتبر مسألة العضوية في هذه المنظمة من المشاكل المطروحة التي تواجهها دول عديدة.
وترى البلدان الصناعية الكبرى المهيمنة أن على بعض الدول التي ترغب في الانضمام إلى المنظمة أن تستوفي جملة من الشروط اللازمة لذلك، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: • إقامة نظام ديمقرطي. • حماية حقوق الإنسان. • حماية الملكية الفكرية. • عدم تشغيل الأطفال دون سن العمل. • إجراء إصلاحات جوهرية في أنظمتها القانونية بشكل يتطابق مع المواثيق والمعاهدات الدولية المتعددة في المجالات السابقة.
وهناك صنف آخر يرى في المنظمة تكريسا للهيمنة والتبعية للنظام الرأسمالي الذي يخدم مصالح القوى الغربية وجماعات الضغط فيها ويعتبرها جهازا آخر بالإضافة إلى المؤسسات الدولية الأخرى لإملاء السياسات والتحكم في العالم بعد أن أصبحت أشكال الاستعمار التقليدي المباشر غير منطقية.. وأنها تشكل عبئا على التنمية من خلال إلغاء الضرائب والرسوم الجمركية، وبالتالي حرمان خزينة الدول النامية من إيرادات هي في أمس الحاجة إليها. يضاف إلى ذلك تأثير المنافسة اللامتكافئة على دعائم اقتصادات الدول النامية وما ينجر عن ذلك من تأثيرات سلبية.
وفي الختام نشير إلى أن 142 دولة حتى 26 يوليو/ تموز2001 انضمت إلى المنظمة وأن ثلاثة أرباع هذا العدد من البلدان النامية.
فهل على البلدان المتبقية (12) إصلاح أنظمتها القانونية والسياسية وتأهيل اقتصاداتها حتى "ترضى" عنها القوى العظمى في المنظمة؟ أم أن بقاءها خارج المنظمة أجدى لها؟ وهل مزايا الانضمام إلى المنظمة تفوق انعكاساته السلبية؟
النشأة:
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945م كان التوجه آنذاك أن يقوم النظام الاقتصادي العالمي على ثلاث ركائز مؤسسية جديدة تتمثل الأولى في إنشاء صندوق النقد الدولي، ليتولى إرساء قواعد النظامين المالي والنقدي، ومعالجة عجز موازين المدفوعات، والثانية في إنشاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ليقوم بمهمة التمويل التنموي وإعادة الأعمار، وأخيراً أن يُعهد إلى مؤسسة دولية ثالثة بمسؤولية تنظيم التجارة الدولية، والعمل على تحريرها.
وقد تم بالفعل إعلان تأسيس الصندوق والبنك الدوليين في مؤتمر "بريتون وودز" عام 1944م، كما عقد في "هافانا" عام 1947م مؤتمر "للتجارة والعمالة" بهدف إرساء قواعد منظمة للتجارة الدولية وتحديد اختصاصاتها، إلا أن ميثاق "هافانا" لم يكتب له النجاح لعدم تصديق الولايات المتحدة الأمريكية عليه، واستمر العمل على تطوير هذا الميثاق ليتحول إلى ما أصبح يعرف بالاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة (الجات )
ثم جاء إنشاء "منظمة التجارة العالمية WTO" لتحل محل الاتفاقية للتعريفة والتجارة "الجات GATT" اعتباراً من أول يناير 1995م، وذلك لتلافي أوجه القصور في اتفاقية الجات، وإدراج قطاعات حيوية لأول مرة في نطاق صلاحيات هذه المنظمة الجديدة. وقد كان في طليعة ذلك: القطاع الزراعي، الذي بلغ حجم تجارته الدولية عام 1996م حوالي (1220) بليون دولار، وقطاع تجارة الخدمات الذي بلغت تجارته عام 1997م حوالي (2597) بليون دولار، إضافة إلى حقوق الملكية الفكرية، والأنشطة التجارية ذات الصلة بالاستثمار. وانطلاقا من هذه الخلفية التاريخية الموجزة لقيام منظمة التجارة العالمية نجد أنها قامت لإرساء وترسيخ الالتزام بعدد من المبادئ الأساسية في العلاقات التجارية المتعددة الأطراف منها:
الأول: مبدأ معاملة الدولة الأولى بالرعاية وبمقتضى هذا المبدأ تلتزم كل دولة عضو تقدم أي ميزة تفضيلية في تعاملها مع دولة أخرى بمنح المعاملة التفضيلية نفسها لجميع الدول الأعضاء في المنظمة، تحقيقاً لمبدأ عدم التمييز في المعاملات التجارية الثنائية. ويستثني من ذلك المزايا المتبادلة في إطار الاتحادات الجمركية، ومناطق التجارة الحرة بالإضافة إلى المعاملات التفضيلية الممنوحة من بعض الدول المتقدمة لعدد من الدول النامية بموجب نظام الأفضليات المعمم (GSP).
الثاني: مبدأ المعاملة الوطنية ويقضي هذا المبدأ في جوهره بعدم التمييز بين المنتجات المحلية والمماثلة لها من المستورد، وذلك من حيث الرسوم المحلية والضرائب والمواصفات القياسية.
الثالث: مبدأ الشفافية ويقصد به وجوب نشر معلومات واضحة ودقيقة عن جميع القوانين والأنظمة واللوائح الوطنية ذات الصلة بالقطاعات المندرجة تحت مظلة منظمة التجارة العالمية.
الرابع: مبدأ حماية الصناعة المحلية الناشئة إذ تقر المنظمة بأن الدول الأعضاء قد تحتاج إلى حماية الصناعة الناشئة ذات الحساسية في مواجهة المنافسة الحادة، ولكنها تشترط أن تكون هذه الحماية في حدودها الدنيا، وأن تقتصر على فرض الرسوم الجمركية المعقولة. كما تشترط قواعد المنظمة تخفيض التعريفة الجمركية عموماً وتحديد سقوفها العليا عند مستويات منخفضة لا يجوز زيادتها في المستقبل، مع التأكيد على ضرورة إزالة الحواجز الأخرى غير الجمركية.
و بالنظر للانعكاسات الإيجابية والسلبية لعضوية المنظمة، نجد أنه من الطبيعي أن يختلف تأثير الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأوروجواي، باختلاف الدول والمجموعات الاقتصادية، من حيث مدى انفتاحها على الأسواق العالمية، ودرجة اندماجها في الاقتصاد الدولي، والتركيبة السلعية لصادراتها ووارداتها، وما تتمتع به من مزايا نسبية طبيعية وقدرات تنافسية، وعلى طبيعة السياسات الاقتصادية الوطنية. وبالحديث عن الجوانب الإيجابية والسليبة لعضوية منظمة التجارة نجد:
أولاً: الجوانب الإيجابية للعضوية:
1.إن تحرير التجارة الدولية سوف يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد العالمي، ومن شأن زيادة النمو الاقتصادي ارتفاع الطلب على مختلف أنواع السلع والخدمات الأمر الذي يؤدي إلى انتعاش الاقتصاديات ونموها. وفي هذا السياق تشير تقديرات منظمة التجارة العالمية إلى أن التطبيق الكامل لاتفاقيات الجات بحلول عام 2005م سوف يؤدي إلى زيادة حجم التجارة الدولية بما قيمته (500) بليون دولار سنوياً. مع العلم بأن حجم المبادلات التجارية عام 1997م بلغ (13.3) تريليون دولار.
2. زيادة فرص النفاذ للأسواق الخارجية نتيجة لإلغاء الرسوم أو تخفيضها، وإزالة العوائق التي تواجه صادرات الدولة النامية.
3. تكثيف الاستفادة من المزايا النسبية التي يتمتع بها الكثير البلدان النامية في العديد من السلع، كالمنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية والبتروكيماويات.
4. تحكم العلاقات بين الدول الأعضاء في المنظمة مدونة لقواعد السلوك في التجارة الدولية، كما يجري حسم المنازعات التجارية من خلال آلية فعالة ذات قرارات ملزمة لجميع الأعضاء.
5. ضمان عدم التمييز في معاملة السلع المتبادلة فيما بين الدول الأعضاء في المنظمة.
6. الاستفادة من جميع المزايا المتبادلة بين الدول الأعضاء الناجمة عن تحرير تجارة السلع والخدمات وفقاً لمبدأ الدولة الأولى بالرعاية.
7. تؤكد قواعد المنظمة على مكافحة الإغراق في التجارة الدولية الأمر الذي يتيح فرصة أكبر لتسويق الإنتاج المحلي دون ضغوط أو منافسة غير عادلة.
8. لجميع الدول الأعضاء حق المشاركة في مجالس المنظمة ولجانها وبالتالي إمكانية الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارة خلال جولات المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف.
9. يؤدي تطبيق الاتفاقية المتعلقة بالاستثمار إلى تهيئة الظروف المواتية لجذب التدفقات الاستثمارية.
10. تسهم الاتفاقيات العامة للتجارة في الخدمات (الجات) في رفع كفاءة أداء هذا القطاع، وخفض تكاليفه لصالح المستهلك. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن قطاع الخدمات يكتسب أهمية متزايدة في الاقتصادي الدولي حيث يمثل في المتوسط نحو (40%) من الناتج الإجمالي العالمي.
11. تتعهد الدول الأعضاء في المنظمة بتحسين كفاءة الإنتاج، وتطبيق المواصفات القياسية المعتمدة، وضمان الجودة النوعية للسلع المتبادلة، وخلوها من أنواع الغش التجاري، أو ما يضر بالصحة العامة وسلامة الإنسان.
12. تكفل اتفاقيات المنظمة للدول الأعضاء اتخاذ التدابير الأزمة لحماية القيم الدينية والأخلاقية والتراث الثقافي والصحة البشرية والحيوانية.
ثانياً: الجوانب السلبية لعضوية المنظمة:
1. ارتفاع وتيرة المنافسة في الأسواق المحلية، الأمر الذي سيجعل من الصعب على الصناعات الضعيفة، أو ذات الجودة المتدنية الصمود في وجه المنافس.
2. احتمال ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية كالحبوب، ومنتجات الألبان، نتيجة لإزالة الدعم عليها من قبل الدول المتقدمة.
3. إن المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لمنتجات بعض الدول النامية في أسواق الدول الصناعية وبخاصة المنتجات الزراعية والملابس والمنسوجات سوف تتلاشى عند اكتمال تطبيق أحكام اتفاقية الجات.
4. تهدف اتفاقية الجات إلى إزالة الرسوم الجمركية تدريجياً، وحيث أن بعض الدول مازالت تعتمد على حصيلة الرسوم الجمركية كمورد مهم من موارد الخزينة العامة، فإن عضوية المنظمة تحتم السعي لتطوير مصادر بديلة للإيرادات.
5. نتيجة لتطبيق قاعدة الالتزام الواحد "SIGNLE UNDERTAKING" أصبحت جميع الدول الأعضاء أطرافاً في الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي، وبخاصة المدونات الملحقة بها التي كانت اختيارية آنذاك.
وفي مقدمة ذلك: اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية والتثمين الجمركي، وتراخيص الاستيراد، والقيود الفنية للتجارة (TBT). إلا أنه بالنظر للصعوبات التي عبرت عنها الدول النامية أو الأقل نمواً في القبول الفوري لجميع تلك الالتزامات أو معظمها، فقد نصت بعض اتفاقيات (المنظمة) على منح معاملة خاصة لهذه البلدان على النحو التالي:
* منح البلدان النامية فترة انتقالية لتطبيق بعض الالتزامات.
* إطالة الفترات الانتقالية لأقل البلدان نمواً وإعفائها من بعض الالتزامات وتحسين فرص نفاذ منتجاتها إلى أسواق البلدان المتقدمة.
* توفير المساعد الفنية للدول النامية أو الأقل نمواً.
و إذا انتقلنا إلى الموضوعات التي لم يُبت فيها وتشكل تحديات لهذه المنظمة في المستقبل القريب؛ نجد أن هناك بعض المسائل التي لم يتم التعامل معها بعمق في الاتفاقيات الحالية، ومن أبرزها ما يلي:
أ? ) التجمعات الاقتصادية الإقليمية
ب?) التجارة والبيئة حيث لا توجد من بين الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي أية اتفاقية تتعامل مع المسائل البيئية.
ت?) التجارة الإلكترونية: وتشمل ممارسة أنشطة الإنتاج والإعلان والبيع والتوزيع للمنتجات (السلع والخدمات) عن طريق وسائل الاتصالات الإلكترونية وشبكات المعلومات.
وقد اعتمد المؤتمر الوزاري الثاني الذي عقد مؤخراً في جنيف إعلاناً وزارياً يتضمن تكليف المجلس العمومي للمنظمة بوضع برنامج عمل شامل لدراسة الجوانب المتصلة بالتجارة الإلكترونية، وتلتزم الدول الأعضاء في المنظمة بموجب هذا الإعلان بالاستمرار في النهج الحالي بعدم فرض رسوم جمركية على التجارة الإلكترونية.
ث?) حقوق العمال: ومن المتوقع أن تتضمن هذه الاتفاقية على أحكام ومعايير تتعلق بالنقابات العمالية، ومنع العمل القسري، وعدم استغلال الأطفال في العمل، ووضع حدود دنيا للأجور.
ج?) الخدمات المهنية: وتتمحور في تطوير قواعد، وأدلة تنظم ممارسة الخدمات المهنية على المستوي الدولي.
بهذه النبذة نكون قد حاولنا إلقاء الضوء على هذه المنظمة وأبرزنا أن المرحلة القادمة تنطوي على تحديات كبيرة للدول النامية عموماً، تتمثل في مدى قدرة هذه الدول على تكييف أوضاعها، وأنظمتها، وقوانينها بصور تمكنها من الوفاء بالتزامات واستحقاقات العضوية، والحفاظ في الوقت ذاته على مصالحها، وصيانة مكتسباتها، وتعظيم المردود والفوائد من هذه العضوية .
تعتبر منظمة التجارة العالمية الحلقة الأخيرة –حتى الآن– في منظومة الاقتصاد العالمي المعاصر الذى يتسم بهيمنة النظام الرأسمالي بنظمه الاقتصادية والسياسية، وبناء على ذلك تعتبر مسألة العضوية في هذه المنظمة من المشاكل المطروحة التي تواجهها دول عديدة.
وترى البلدان الصناعية الكبرى المهيمنة أن على بعض الدول التي ترغب في الانضمام إلى المنظمة أن تستوفي جملة من الشروط اللازمة لذلك، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: • إقامة نظام ديمقرطي. • حماية حقوق الإنسان. • حماية الملكية الفكرية. • عدم تشغيل الأطفال دون سن العمل. • إجراء إصلاحات جوهرية في أنظمتها القانونية بشكل يتطابق مع المواثيق والمعاهدات الدولية المتعددة في المجالات السابقة.
وهناك صنف آخر يرى في المنظمة تكريسا للهيمنة والتبعية للنظام الرأسمالي الذي يخدم مصالح القوى الغربية وجماعات الضغط فيها ويعتبرها جهازا آخر بالإضافة إلى المؤسسات الدولية الأخرى لإملاء السياسات والتحكم في العالم بعد أن أصبحت أشكال الاستعمار التقليدي المباشر غير منطقية.. وأنها تشكل عبئا على التنمية من خلال إلغاء الضرائب والرسوم الجمركية، وبالتالي حرمان خزينة الدول النامية من إيرادات هي في أمس الحاجة إليها. يضاف إلى ذلك تأثير المنافسة اللامتكافئة على دعائم اقتصادات الدول النامية وما ينجر عن ذلك من تأثيرات سلبية.
وفي الختام نشير إلى أن 142 دولة حتى 26 يوليو/ تموز2001 انضمت إلى المنظمة وأن ثلاثة أرباع هذا العدد من البلدان النامية.
فهل على البلدان المتبقية (12) إصلاح أنظمتها القانونية والسياسية وتأهيل اقتصاداتها حتى "ترضى" عنها القوى العظمى في المنظمة؟ أم أن بقاءها خارج المنظمة أجدى لها؟ وهل مزايا الانضمام إلى المنظمة تفوق انعكاساته السلبية؟