المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مـعــركة اليرمــــــوك ....



ابوالوليد
21-09-2006, 06:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




الكاتب د.صالح السعدون




مـعــركة اليرمــــــوك

الموقع : بلاد الشام بجوار نهر اليرموك حالياً بين سوريا وفلسطين المحتلة.

أطراف القتال : المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, والروم في تحالف مسيحي عظيم شارك به جيوش من السلاف والروس بإمرة( قناطير) وجيش من الأرمن بقيادة ملك أرمينيا ( ماهان ), وهو القائد العام للمعركة لعموم الجيوش البيزنطية , وجيوش الغساسنة والعرب النصارى بقيادة الملك( جبلة بن الأيهم الغساني) , إلى جانب شعوباً أخرى مثل الكرج واليونان والفرنجة وشعوباً أوروبية أخرى .

الزمن : في عام 15هـ/ 636م .

ميزان القوى العسكري : 39000- 40000 تسعة وثلاثون ألف إلى أربعون ألف مقاتل من المسلمين من بينهم ألفي فارس . أما جيوش الروم (بيزنطة ) فقد بلغت ستة أضعاف جيش المسلمين أي ما يقارب أو يزيد عن 240,000مقاتل .



كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة المنورة يرقب الموقف العسكري في بلاد الشام , بينما كان المسلمون قد احتلوا بيت المقدس ودمشق وحمص , وهزمت جيوش الروم في مواقع عسكرية هامة أمام القوات الإسلامية في أجنادين ومرج الصفر وفحل بيسان , وغيرها من اقتحام الدن السورية الهامة .

في الوقت الذي كان هركليوس أو هرقل الأمبراطور البيزنطي قد انسحب من حمص إلى أنطاكية عازماً على العودة إلى القسطنطينية , غير أن الضغوط التي مارسها أتباعه ورجال دولته توصلت إلى أن يفعل كما فعل يزدجرد كسرى فارس حين انسحب إلى أطراف بلاد فارس و كلف قائده العسكري رستم بلقاء المسلمين في العراق حيث معركة القادسية .

رأى هرقل أن يحشد قوات كبرى لا قبل للعرب بها ومواجهتهم في معركة حاسمة طالما أن العرب قد جزءوا قواتهم إلى قطاعات مختلفة أولها في فلسطين وثانيها في الأردن وجيشين آخرين في سوريا , وقد حشد من القوات ما اختلفت عليه الروايات التاريخية , فأقلها مائتي ألف وأكثرها أربعمائة ألف مقاتل .

وكان الطرفين قد استخدما الجواسيس في هذا الصراع لجمع أدق المعلومات عن الطرف الآخر , مستغلين وجود عرب الشام النصارى أو الذين أسلموا خفية للقيام بهذه الخدمات الجاسوسية وقد نجح هؤلاء الجواسيس في إمداد المعسكرين بأدق المعلومات بما فيه بعض الاجتماعات الهامة لقيادات الجيشين .



المراسلات والخطب التعبوية للجيشين :

عقد هرقل اجتماعا هاماً لقيادات جيشه وهو يوجه جيوشه لخوض المعركة الحاسمة والنهائية التي ربما تقتلع آمال العرب باحتلال بلاد الشام , وقال في ذلك الاجتماع الذي اختار فيه ماهان ملك أرمينية كقائد أعلى للجيوش البيزنطية في هذه المعركة الحاسمة . وقال في هذا الاجتماع (( يا معشر الروم, إن العرب قد ظهروا على سوريا ولم يرضوا بها حتى تعاطوا أقاصي بلادكم, وهم لا يرضون بالأرض والمدائن والبُر والشعير والذهب والفضة, حتى يسبوا الأخوات والأمهات والبنات والأزواج ويتخذوا الأحرار وأبناء الملوك عبيداً فامنعوا حريمكم وسلطانكم ودار مملكتكم )) , ثم بعد هذا الخطاب التحريضي سيرهم نحو المدن التي احتلها المسلمون .



انسحاب الجيوش الإسلامية:

وقدمت الجواسيس من العرب الذين أسلموا دون إعلان إسلامهم أو تعاونهم مع المسلمين بالأخبار المزعجة والخطيرة مما استدعى أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح القائد العام للجيوش الإسلامية في بلاد الشام أن يعقد اجتماعا حاسماً لقيادات جيشه في حمص, لاتخاذ القرارات المناسبة للمرحلة الخطيرة من هذا الصراع , وقال في الاجتماع (( ...وقد سار إليكم عدوكم من المشركين بعدد كثير ونفروا إليكم فيما حدثني عيوني نفير الروم الأعظم, فجاءوكم براً وبحراً حتى خرجوا إلى صاحبهم في أنطاكية , ثم وجه إليكم ثلاثة عساكر في كل عسكر منها ما لا يحصيه إلا الله من البشر , ...)) وطلب الرأي والمشورة. أشار أحد المجتمعين بأن يتم الانسحاب من حمص إلى أرض بلاد المسلمين وطلب المدد من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه . ووافق المجتمعون على هذا الرأي. ولعل المفارقة أن المسلمين حين خرجوا من حمص قد أمر قائدهم أبو عبيدة برد الجزية إلى أهل حمص بدعوى أنه انتفت الناحية الشرعية لها فالجزية تعطى مقابل حماية المسلمين للسكان, وبما أن المسلمين انسحبوا دون قتال أو حماية لأهالي حمص فالأموال التي أخذت كجزية لابد أن تعاد فأعادوها لأهلها.

ووصلت جحافل جيش المسلمين إلى دمشق حيث بها سيف الله المسلول خالد بن الوليد, بينما أرسل أبو عبيدة رسولاً لتقدير الموقف لأمير المؤمنين بالمدينة المنورة شارحا له الموقف تفصيلياً. وأرفق معه خطاب موجز قال فيه (( أما بعد فإن عيوني قدمت عليّ من أرض عدونا من تلك القرية التي فيها ملك الروم ...وأن الروم قد توجهوا إلينا وجمعوا لنا من الجموع ما لم يجمعوه لأمة قط كانت قبلنا , قد جمعت المسلمين ...فأجمع رأيهم على أن يتنحوا عنهم حتى يأتينا رأيك ...)) ، قرأ عمر الخطاب والتفت لحامله وقال : ويحك ما فعل المسلمون , وشرح له رسول أبو عبيدة الموقف , فقال أمير المؤمنين : (( لله أبوك, ما رجوعهم عن عدوهم وقد أظفرهم الله بهم في غير موطن ...وإني أخاف أن يكونوا قد أساؤوا الرأي وجاؤوا بالعجز وجرَّأوا عليهم عدوهم )). قال الرسول : (( أصلحك الله , إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب ...ولقد أخبرنا بعض عيوننا أن عسكراً واحداً من عساكرهم مروا في أصل جبل فهبطوا من الثنية نصف النهار إلى عسكرهم, فما ظنك بمن بقي منهم )) . استفسر أمير المؤمنين طويلاً حيال هذا الانسحاب أهو من إجماع للمسلمين بالرأي والمشورة, وحين تأكد من ذلك قال (( فإني أرجو أن يكون الله جمع رأيهم لخير إن شاء الله )).

وقرر إمدادهم بالمدد وكتب لأبي عبيدة يوصي الجيوش الإسلامية بأن النصر ليس بالكثرة (( وربما خذل الله الجموع الكثيرة فوهنت, وقلت وفشلت ولم تغن عنهم فئتهم شيئا, ولربما نصر الله العصابة القليلة عددها من أعداء الله فأنزل الله عيهم نصره وعلى المشركين بأسه وزجره ...)).



مناورات المعسكرين قبيل المعركة :

كان معاذ ابن جبل وخالد بن الوليد يرون غير الرأي الذي رآه جيش أبو عبيدة وحين اجتمع أبو عبيدة بخالد بن الوليد قال خالد: (( أما إنه لم يكن الرأي إلا الإقامة بحمص حتى نناجزهم فيها , فأما إذا اجتمع رأيكم على أمر واحد فإني لأرجو ألا يكون الله جمع رأيكم إلا على ما هو خير لكم )) .كان يزيد بن أبي سفيان يرى الانسحاب إلى الجابية على بعد يوم من دمشق جنوباً أما شرحبيل فقد أراد العودة إلى أقرب نقطة للمدينة المنورة في الأردن , أما معاذ بن جبل فاعترض على الانسحاب بينما خالد اعترض حتى على الانسحاب من دمشق وقال معترضا على رأي يزيد (( كأنك إذ كنت بالجابية كنت على أكثر مما أنت عليه مكانك هذا الذي أنت فيه )) .

في الوقت الذي كان المسلمون لا يزالون بدمشق دخلت القوات البيزنطية حمص ثم اتجهوا إلى وادي البقاع إلى بعلبك ثم نحو الحولة كأنهم يريدون حصار الجيوش الإسلامية , وبهذا رأى المسلمون أن ما قام به الروم هي حركة التفاف هدفها قطع خط الرجعة على المسلمين , وفي الوقت ذاته جاء إلى أبو عبيدة خطاب من عمرو بن العاص في فلسطين يبلغه بأن هناك من المؤامرات التي تدعوا إلى نقض العهد بينهم وبين المسلمين .ويخيره بأن يأمره بالبقاء بفلسطين حتى يأتيه أبو عبيدة أم ينسحب من فلسطين لينضم إلى جيش أبو عبيدة . فقرر أبو عبيدة حسب رده على خطاب عمرو (( ...ثم أعلم من قبلك من المسلمين أني قادم عليهم بجماعة أهل الإسلام إن شاء الله , فليحسنوا بالله الظن ...)) .

غير أن عمرو بن العاص بدهائه خشي غدر فلسطين فجمع أهل الأردن إلى جيشه وعزم مموهاً الذهاب إلى فلسطين ( القدس ) وأرسل رسالة شديدة اللهجة إلى أهل القدس قال فيها ((...فإذا أتاكم كتابي هذا فاسلموا تسلموا , وإلا فأقبلوا إلينا حتى أكتب لكم كتاباً أماناً على دمائكم وأموالكم وأعقد لكم عقداً تؤدون إلي الجزية عن يد وأنتم صاغرون , وإلا فوالله الذي لا إله إلا هو لأرمينكم بالخيل بعد الخيل وبالرجال بعد الرجال , ثم لا أقلع عنكم حتى أقتل المقاتلة وأسبي الذرية وتكونون كأمة كانت فأصبحت كأنها لم تكن )). لقد كان عمرو يخوض معركة نفسية مع أهالي فلسطين ليحيدهم في المعركة الكبرى القادمة فلا يكونون عوناً لعدوهم . ورغم أن هذه المحاولة لم تتكلل بالنجاح إلا أنها أجلت أية هجوم على معسكر عمرو حتى وصلت مقدمة جيش أبي عبيدة بقيادة خالد بن الوليد .



خبرة الخبراء في إختيار أرض المعركة:

هذه المعركة فاصلة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى , وكل ما لدى الجيشين من خبرة قتالية وميزات عسكرية لابد أن ترمى بكل ثقلها بالمعركة , ولقد برع المسلمون في هذه المسألة منذ معركة أحد حين اختار الرسول صلى الله عليه وسلم موقع جبل أحد لخوض ثاني معركة مع كفار قريش , وكذلك في معركة القادسية حين اختاروا أرض المعركة المناسب لهم غير عابئين باستفزازات عدوهم , وكان المسلمون قد انسحبوا انسحابا سريعاً أمام جحافل الروم التي تزيد عن ستة أضعاف عددهم حتى ظن الروم أن المسلمون كانوا يفرون مذعورين من أرض المعركة , وقد جاء رسل أهالي القدس إثر تهديد عمرو بن العاص لهم من شمالي الشام بما أفادوا (( إن ماهان أقبل من عند هرقل بثلاث عساكر كل عسكر منها أكثر من مائة ألف مقاتل ...وأن العرب لما بلغهم ما سار إليهم ...انصرفوا راجعين...حتى أقبلت العرب على نحو الأردن نحو صاحبهم (عمرو) والروم في آثارهم يسوقوهم سوقاً عنيفاً سريعاً ...)) .

وقد كان الروم يرقبون ما يفعل الروم حيث سار ماهان من حمص إلى بعلبك ثم إلى البقاع ثم إلى حولة دمشق بمحاولة التفافية على المسلمين لقطع خط الرجعة عليهم وللاستفراد بجيوش أبو عبيدة وخالد ويزيد بعيداً عن جيوش شرحبيل وعمرو , وما قد يأتيهم من المدد من المدينة , وهذا دليل على قوة استخبارات الروم الذين قد زرعوا العديد من النصارى العرب بمعسكر المسلمين , ويبدو أن الروم قد اقتربوا من الجابية التي انسحبت إليها جيوش أبو عبيدة , وعقدوا اجتماعا حاسماً لاتخاذ القرارات المصيرية فيه وكانت المناقشات تدور حول عدة أفكار فيزيد بن أبي سفيان رأى الانسحاب إلى أيلة أي إلى العقبة الأردنية حالياً أي بين الجزيرة العربية والشام , بينما رأى عمرو بن العاص الانسحاب إلى مدى أبعد إلى الحجر أو مدائن صالح حالياً , وكان سيف الله المسلول خالد بن الوليد صامت يسمع هذه الاقتراحات حين التفت إليه القائد العام للجيوش الإسلامية أبي عبيدة قائلاً يا خالد ماذا ترى أنت ؟ فقال ((أرى والله إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة, هم أكثر منا وأقوى علينا وما لنا بهم إذن طاقة , وإن كنا إنما نقاتلهم بالله ولله , فما أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً تغني عنهم شيئاً ثم تكلم بثورة وغضب موجهاً كلامه لقائد الجيوش رافضاً كل الاقتراحات السابقة (( أتطيعني أنت فيما آمرك به ؟ )) قال أبو عبيدة بثقة مطلقة بخالد : نعم , قال خالد )) فولني ما وراء بابك وخلني والقوم فإني لأرجو أن ينصرني الله عليهم , قال أبوعبيدة : قد فعلت )) وهكذا أصبح خالد بن الوليد له مطلق الحرية والتصرف كقائد عام للجيوش الإسلامية في المعركة تحت لواء أبو عبيدة واستمرت مناقشة الاقتراحات حتى قال أبو عبيدة تجاه الانسحاب ((لست بارحاً وقد وليت خالد ما خلف بابي وأنا معكم لا أبرح الأرض حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين .

وفي نهاية الاجتماع جاءت الجواسيس بالأخبار أن الروم نزلوا على نهر الرقاد أحد روافد اليرموك ومرج الجولان . وهنا تأتي خبرة الخبراء والكبراء فهذا شيخ قريش أبو سفيان يمتعض أن يقرر الاجتماع أموراً خطيرة بعيدا عن رأيه ومشورته وقد بلغ من العمر ما رأى أنه أهل لاستشارته من قبل شباب الأمة وقال محتجاً خارج خباء يزيد الذي كان فيه الاجتماع (( ما كنت أظن أني أبقى حتى أرى غِلْمَةٌ من قريش يذكرون أمر حربهم ويكيدون عدوهم بحضرتي لا يحضرونيه )) فقال بعض الحرس هل لكم إلى رأي شيخكم ؟ قال أبو عبيدة أدخل أبا سفيان .فجاءت الخبرة من شيخ من شيوخ العرب في الجاهلية والإسلام وقال : ((إن معسكركم هذا ليس بمعسكر إني أخاف عليكم أن يأتيكم أهل فلسطين والأردن فيحولوا بينكم وبين مددكم من المدينة فتكونوا بين عسكرهم , فارتحلوا حتى تجعلوا أذرعات خلف ظهوركم يأتكم المدد والخير )) وأذرعات هذه هي درعا السورية الحالية .

فقبلوا قادة الجيش رأي خبيرهم وارتحلوا مسرعين نحو نهر اليرموك تاركين درعا خلف ظهورهم حتى ظن الجيش البزنطي الذي كان يتتبع المسلمون أن المسلمين يفرون من مواجهته , وظل النهر يفصل بين الفريقين عدة أيام دون قتال أو اتصال كان ذلك في أواخر جمادى الآخرة عام 15 للهجرة يوليو 636م .



قبيل المعركة :



كان الجيشان متقابلان في أرض ضيقة , والكل يخشى الآخر فالمسلمون راعهم الأعداد الهائلة لعدوهم وقد ظهر ذلك بقوة في مراسلات قائد الجيوش الإسلامية أبو عبيدة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم , فقال في خطابه الأول بعد انسحابه من حمص ودمشق (( أما بعد ...أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن الروم نفرت إلى المسلمين براً وبحراً ...وجاءونا وهم نحو أربعمائة ألف رجل ... حتى يقدم علينا من قبل أمير المؤمنين المدد لنا , فالعجل العجل يا أمير المؤمنين بالرجال بعد الرجال , وإلا فاحتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا , ودينهم منهم إن هم تفرقوا ,فقد جاءهم مالا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكته أو يأتيهم بغياث من قبله , والسلام عليك )).

وقد عقد اجتماع طارئ بالمدينة المنورة بمجرد وصول الكتاب , كان اجتماع أشبه باستدعاء البرلمانات في عصرنا الحديث لمناقشة الوضع العسكري الخطير إلى أقصى حدود الخطورة والذي تعلن معه الحكومات في عصرنا حالة التأهب القصوى وحالة الطوارئ بالبلاد , فاستدعى أمير المؤمنين عمر أهل العقد والحل من المهاجرين والأنصار , فقرأ الخليفة خطاب القائد العسكري للجيوش الإسلامية بنفسه , وصعق الاجتماع , ووصل الأمر بالحاضرين أن بكى أكثرهم وتضرعوا إلى الله بالنصر ودفع البلاء , مشفقين على إخوانهم , وتقدم بعضهم باقتراح وضع أمام الخليفة (( يا أمير المؤمنين ابعثنا إلى إخواننا وأقر علينا أميراً ترضاه , أو سر بنا أنت ...)) . يقول حامل خطاب أبو عبيدة عبدالله بن قرط وقد أظهر المهاجرين والأنصار بالاجتماع الشفقة على إخوانهم (( ولم أر أحداً أكثر جزعاً من عبدالرحمن بن عوف ولا أكثر مقالة : سر بنا يا أمير المؤمنين فانك لو قدمت الشام لقد شدد الله قلوب المؤمنين وأرعب قلوب الكافرين )) .

وقال الواقدي بكتابه (فتوح الشام ج1/ص178) ))فلما سمع عمر بن الخطاب كلام عبد الرحمن بن عوف ونظر إلى إشفاق المسلمين وجزعهم على أخوانهم اقبل على عبدالله وقال يا بن قرط من المقدم على عساكر الروم فقلت خمسة بطارقة أحدهم ابن أخت الملك هرقل وهو قورين والديرجان وقناطير وجيرجير وصلبانهم تحت صليب ماهان الأرمني وهو الملك على الجميع وجبلة بن الايهم الغساني مقدم على ستين ألف فارس من العرب المتنصرة فاسترجع عمر وقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قرأ عمر " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " ثم قال ما تشيرون به علي رحمكم الله تعالى فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ابشروا رحمكم الله تعالى فان هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله تعالى يختبر بها عباده المؤمنين لينظر أفعالهم وصبرهم فمن صبر واحتسب كان عند الله من الصابرين , واعلموا أن هذه الوقعة هي التي ذكرها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يبقى ذكرها إلى الأبد هذه الدائرة المهلكة, فقال العباس : علي من هي يا أبن أخي ؟ , فقال يا عماه علي من كفر بالله واتخذ معه ولدا فثقوا بنصر الله عز وجل, ثم قال علي لعمر: يا أمير المؤمنين اكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتابا وأعلمه فيه ان نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا فيوشك انه في أمر عظيم, فقام عمر ورقى المنبر وخطب خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وذكر فضل الجهاد ثم نزل وصلى بالمسلمين )).

وفي نهاية الاجتماع كان رأي الأكثرية بقاء وإقامة عمر بالمدينة ويبعث المدد تلو المدد (( ويكون ردءاً للمسلمين )) .

وفي الوقت الذي أهاب الخليفة بالعرب من كل أنحاء الجزيرة العربية , وكانت الرايات معقودة خارج المدينة كلما إجتمع حشد ساروا مسرعين نحو إخوانهم بالشام , في الوقت الذي إتخذ إجراءاً معنوياً وتعبوياً عاجلاً , فقد كلف رسول أبو عبيدة كرسول مباشر له لكتائب جيوش المسلمين وقال له ((إذا قدمت على المسلمين فسر في صفوفهم وقف على كل أهل راية منهم وقل لهم إنك رسولي إليهم , وقل لهم : عمر يقرئكم السلام ويقول لكم يا أهل الإسلام أصدقوا اللقاء وشدوا عليهم شد الليوث واضربوا هاماتهم بالسيوف , وليكونوا عليكم أهون من الذر , فإنا قد كنا علمنا أنكم عليهم منصورون , فلا يهولنكم كثرة عدوكم ...)) .

كما أرسل كتاباً طويلاً لأبي عبيدة قال فيه (( ... وأن ربنا المحمود ...حيث بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأعزه بالنصر ونصره بالرعب على عدوه ...فلا يهولنك كثرة ما جاء منهم ... ولا توحشك قلة المسلمين فإن الله معك وليس قليلاً من كان الله معه , )) وقد تألم عمر من بعض كتاب أبو عبيدة وقال (( وقد فهمت مقالتك , احتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا ودينهم إن هم تفرقوا ...إلا أن يمدهم الله بملائكته ... , وأيم الله لولا استثناؤك بهذا لكنت قد أسأت ..)) ثم ذكر أبو عبيدة بما يلقاه الشهداء عند ربهم , وقال مذكراً المسلمين بأن لهم إحدى الحسنيين (( فإما ثواب الدنيا فالغنيمة والفتح وأما ثواب الآخرة فالمغفرة والجنة )) ,ثم وصل إلى نهاية خطابه يشد من عزائم المسلمين (( واقرأ كتابي هذا على الناس ومرهم فليقاتلوا في سبيل الله وليصبروا , ...فأما قولك إنه قد جاءهم مالا قبل لهم به , فإن لا يكن لكم بهم قِبَل فإن الله لهم قبلا , ولم يزل ربنا عليهم مقتدرا, ولو كنا إنما نقاتل الناس بحولنا وقوتنا وكثرتنا لهيهات ما قد أبادونا وأهلكونا , ولكن نتوكل على الله ...وإنكم منصورون إن شاء الله على كل حال ,...واصبروا وصابروا ورابطوا ...)).

لقد إتخذ عمر ثلاث قرارات مهمة الأول طلب المدد بالسرعة القصوى وإرساله نحو أبو عبيدة , الثاني : إرسال رسول يبلغ رايات المسلمين وكتائب الجيش راية راية برسالة محددة , حيث دخل المدد متوازياً مع دخول رسول عمر , ثالثاً : إلى جانب ذلك حملة معنوية تعبوية دينية برسالته إلى أبو عبيدة .

لقد كان أمير المؤمنين عمر وعلي رضي الله عنه موقنين بالنصر , وكمن لديهم علم وخبر عن هذه الموقعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قلنا أن جيش المسلمين كانوا وجلين من كثرة جيش الروم والذي كان يفوق التصور, ماعدا خالد بن الوليد الذي كان يشارك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم الرأي .فكان رأيه قوياً مدوياً حين قال : (( أرى والله إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة , هم أكثر منا وأقوى علينا وما لنا بهم إذن طاقة , وإن كنا إنما نقاتلهم بالله وبالله , فما أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً أنها تغني عنهم شيئاً )) .

يرى محمود شاكر أن ميدان المعركة في جزء من حوران في القسم الغربي منه , وهو سهل متموج منبسط يبلغ متوسط ارتفاعه 500- 750 متر في الشمال 750 م وفي الجنوب 400 م , وينحدر من الشمال إلى الجنوب الغربي ببطء , كما ينحدر من الشرق قرب جبل حوران الذي يسمى حاليا جبل الدروز نحو الغرب حتى الوصول إلى منطقة الجولان حيث يجري وادي الرقاد الذي يفصل بين المنطقتين .

وتتألف صخور السهل من صبات لابيَّة من البازلت ,وتبدو الصخور معراة على ضفاف الأودية إذ تنجرف التربة , وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح قرب بحيرة مزيريب الحالية وكذلك على وادي اليرموك .

ويقول محمود شاكر إن حوران تقع بين خطي عرض 32,20و33,10 شمالاً ولذا فهي ضمن نطاق المنطقة المعتدلة الدفيئة ,وحيث أنها قرب البحر المتوسط فإنها تقع ضمن مناخه أيضاً الذي يمتاز بحرارة مرتفعة صيفاً مع جفاف و اعتدال بالشتاء مع أمطار غزيرة نسبياً , ويرى أن مياه حوران تتجمع في أودية تصب في النهاية إلى نهر اليرموك الذي يبلغ طوله 57كم , ويفصل بين حوض نهر اليرموك وحوض نهر الأعرج مجموعة من التلال البركانية , ولعل أشهر الأودية التي تغذي نهر اليرموك هو وادي الرقاد الذي يبدأ من من سفوح جبل الشيخ ويتجه جنوباً ماراً بشرق القنيطرة , حيث يبدأ بالتعمق حيث يتخذ شكل إخدود عميق حتى يتصل باليرموك إلى الشرق من الواقوصة وترتفع حافاته وضفافه بين 130م -470م ,وكذلك العديد من الأودية التي تغذي نهر اليرموك كوادي العلان ووادي الهرير , ووادي الزيدي والأشعري والشلالة وغيرها .

ويحيط بمنطقة حوران مجموعة من الصخور البركانية من ثلاث جهات الشرق والشمال والغرب ,ففي الشرق منها يرتفع جبل حوران المؤلف من عدد من المخاريط البركانية , وفي الشمال الشرقي توجد وعرة اللجاة , في حين تمتد العيد من التلال والعتبات في الشمال لتفصل بين سهل حوران وحوضة دمشق , وفي الغرب توجد منطقة الجولان ذات الصخور البركانية .

هذه المنطقة التي أشاربها أبوسفيان الأموي دلت على خبرته العريضة بتلك الأصقاع التي كان يجوبها بين بلاد الروم والفرس أثناء سفاراته لكسرى وقيصر على رأس وفود قريش أو إبان قيادته لتجارة قريش في الجاهلية على إمتداد عشرات السنين .وقد أفاد المسلمين من هذه المنطقة كمنطقة عسكرية صالحة للمسلمين لخوض معركة هي غير متكافئة بتاتاً من حيث موازين القوى للجيشين المتقابلين , لقد كان الجيش البيزنطي يقوم برحلة مطاردة لجيش المسلمين المنسحب من حمص فدمشق فالجابية حيث اختار الأرض المناسبة له في المعركة في حين وجد الروم أنفسهم مجبرين على مقابلة المسلمين مخدوعين بكثرة عددهم وما ظنوه من وهن قد أصاب الجيش الإسلامي المنسحب .

ويرى محمود شاكر أن هناك مجموعة من العوامل الجغرافية المساعدة للجيش الإسلامي :

1)انحدار الأرض من الشرق إلى الغرب ولهذا فجيش المسلمين ينحدر إلى أسفل وهو يقاتل بينما الجندي البيزنطي يعيقه عن القتال صعود الأرض باتجاه عدوه .

2)مع الفجر تكون الشمس في وجه الروم مما يؤثر على أعينهم وهي خلف المسلمين مما يعطيهم القدرة على المناورة أكثر وبيسر .ومع أن الغروب يكون في غير صالح المسلمين , إلا أن نشاط الجيشين يكون قد اقترب من النهاية .حيث علا التعب المقاتلين من الطرفين .

3)مكان الروم قليل التلال , أما المسلمون فقد جعلوا تل السمرة الذي يرتفع 650 م في وسط صفهم الأمامي بحيث تكون القيادة فيه لتتمكن من الإشراف على المعركة منه , ويحتشد فيه الجند حتى أطلق عليه تل الجموع .كان الموقع قليل الصخور بحيث يسمح لخيول المسلمين بالمناورة .في حين يقع صخور كبيرة خلف فرسان الروم مما يعيق فرارهم وتحركاتهم أمام خيل المسلمين .

4) إن المنطقة الجنوبية الغربية مفتوحة للمسلمين لتلقي المدد والإتصالات مع المدينة المنورة دون أن يتمكن الروم من قطعها .

5) جعل المسلمين بحيرة المزيريب خافهم لما يحتاجون إليه من مياه الشرب .خاصة حيث النساء والأحمال .

6) إن مجنبة المسلمين محمية بنهر اليرموك الذي لا يمكن لعدوهم قطعه أو الإلتفاف حوله كما يصعب الالتفاف عليهم من الخلف من جهة دمشق نظراً لكثرة الصخور البركانية هناك .

7)يمكن للمسلمين حصر الروم بين نهر اليرموك وروافده .

وهو ما استبشر به المسلمون حين رأوا منعة موقعهم وحصر الروم في هذا الموقع .



الأيام التي سبقت المعركة :



وصل المسلمين إلى أرض المعركة واختاروا الأرض المناسبة لهم ولحق بهم البيزنطيين (الروم ) , وكانت أعداد البيزنطيين هائلة , ألقت الرعب بقلوب من رآهم ((ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا الى اليرموك فنزلوا بدير يقال له دير الجبل وهو بالقرب من الرمادة والجولان وجعلوا بينهم وبين عسكر المسلمين ثلاثة فراسخ طولا وعرضا فلما تكاملت الجيوش باليرموك أشرفت سوابق الخيل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جبلة بن الايهم في المقدمة في ستين ألف فارس من العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام وهم على مقدمة ماهان فلما نظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى كثرة جيوش الروم قالوا لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم , قال عطية بن عامر: فوالله ما شبهت عساكر اليرموك الا كالجراد المنتشر اذا سد بكثرته الوادي . قال: ونظرت الى المسلمين قد ظهر منهم القلق وهم لا يفترون عن قول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وأبو عبيدة رضي الله عنه يقول { ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} , قال : وأخذ المسلمون أهبتهم, ودعا الامير أبو عبيدة بجواسيسه من المعاهدين وأمرهم أن يدخلوا عساكر الروم يجسون له خبر القوم وعددهم وعديدهم وسلاحهم وقال أبو عبيدة رضي الله عنه: أنا أرجو من الله تعالى أن يجعلهم غنيمة لنا ))(الواقدي , ج1/ص166) وأقام المسلمون باليرموك وهم مستعدون لقتال عدوهم كأنهم ينتظرون وعدا وعدوا به , وقد تقابل المعسكران عدة أيام دون قتال حيث يقول الواقدي ((فلما نزل ماهان بعساكره بإزاء المسلمين على نهر اليرموك أقام اياما لا يقاتل ولا يثير حربا )).

ويعزى تأخير ماهان عن الإقدام على الهجوم المباشر على معسكر المسلمين إلى أن رسولا ورد عليه من الإمبراطور البيزنطي هرقل ( هركليوس) يقول له : (( لا تنجز الحرب بينك وبين المسلمين حتى نبعث اليهم رسولا ونعدهم منا كل سنة بمال كثير وهدايا لصاحبهم عمر بن الخطاب ولكل أمير منهم ويكون لهم من الجابية الى الحجاز فلما وصل الرسول الى ماهان قال هيهات هيهات أن كانوا يجيبون الى ذلك أبدا, فقال له جرجير: وهو من بعض ملوك الجيش وما عليك في هذا الذي ذكره الملك هرقل من المشقة, فقال ماهان : اخرج أنت اليهم وادع منهم رجلا عاقلا وخاطبه بالذي سمعت واجتهد في ذلك )) .

طلب جرجر مقابلة أحد كبار قادة المسلمين , فقابله أبوعبيدة وكان كل منهم على فرسه , ووجد جرجير في منطق أبوعبيدة قوة لم يكن يقدرها من قبل فلم يكن قادراً على مواصلة عرضه , فالتفت إلى مرافقه وقال )) : يا بهيل الملك هرقل كأنه أعرف بهؤلاء العرب منا, ثم لوى رأس جواده ورجع الى ماهان واخبره بما قال أبو عبيدة فقال له ماهان دعوتهم الى الموعد فقال لا وحق المسيح اني لم أفاتحه في شيء من ذلك لكن أبعث لهم بعض العرب المتنصرة ...)). وقد بعث إليهم ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم , وما وجد من رسول أبو عبيدة (عبادة بن الصامت الأنصاري ) إلا كما وجد جرجير من أبوعبيدة , فعاد أدراجه .

كانت خطة هرقل ضرب العرب بالعرب باعتبار نصارى العرب هم من جنس العرب المسلمين , وأن الصدمة الأولى يجب أن يتحملها العرب النصارى , حتى إذا تعب المسلمين من القتال واصل الروم الحرب ليستأصلوا بقية المسلمين .

أفاد المسلمين فوائد عظيمة من تمهل ماهان ملك أرمينية وعدم البدء بالقتال مباشرة حسب نصيحة هرقل , وقد كان هرقل مقتنعاً منذ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم التي دعاه فيها إلى الإسلام , من أن دين محمد سيصل إلى سوريا وسيخرج النفوذ البيزنطي نهائياً من بلاد الشام .



التجسس والمفاوضات :



في هذه الأيام القليلة التي فصلت بين اتخاذ الجيشين لمواقعهما قبالة بعضهما البعض وبين الالتحام بالمعركة حاول جاهداً قائد جيش الروم أن يتجنب القتال , وذلك من خلال المفاوضات , وربما كان إلى جانب تنفيذه لوصية هركليوس إمبراطور بيزنطة (الروم ) , فقد أراد ماهان بحنكة العسكري المجرب أن يكسب الوقت من أجل جمع معلومات وافية وكافية عن عدوه , لتقييم الموقف العسكري بشكل دقيق وصحيح , وكما كان ماهان فقد كان أبو عبيدة وخالد بن الوليد , حيث أرسل أبو عبيدة جواسيسه داخل معسكر الروم .

كانت العرب النصارى مادة جيدة لعمليات التجسس بين الطرفين , فجواسيس الروم ادعوا بأنهم من المسلمين الجدد , ودخلوا بسهولة داخل معسكر المسلمين , بينما المسلمون الجدد لم يكونوا قد اشتهروا بإسلامهم , ولذا دخلوا في معسكر الروم باعتبارهم لا يزالون على دينهم السابق وولائهم للروم .وكل من الطرفين يدرس قوة خصمه .

وبينما هم كذلك إذ تقدمت جيوش نصارى العرب بالشام بقيادة الملك الغساني جبلة بن الأيهم , فصاح صائح المسلمين بالاستعداد لقتالهم , فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه : (( اصبروا رحمكم الله ولا تعجلوا حتى اكيدهم بمكيدة يهلكون بها وقال لابي عبيدة رضي الله عنه أيها الامير ان القوم قد استعانوا علينا بالعرب المتنصرة وهم اضعاف عددنا وان نحن نقاتلهم بجمعنا كله كان ذلك وهنا منا وضعفا وأريد أن أبعث لهم رسولا من بني عمهم يكلمهم في شأن ردهم عنا فان فعلوا كان ذلك كسرا لهم وللمشركين ووهنا عظيما وان أبوا الا الحرب والقتال خرج منا نفر يسير يردونهم على أعقابهم بعزة الله عز وجل قال فتعجب أبو عبيدة رضي الله عنه وقال يا أبا سليمان افعل ما تريد )).

أرسل خالد بن الوليد أربعة من زعماء الأنصار الذين هم من أبناء عمومة الغساسنة لمقابلة الملك الغساني الذي يدور بفلك النفوذ البيزنطي , وينفذ قرارات هرقل بعيداً عن أية سيادة لدولته التابعة للقسطنطينية , وكان خالد بن الوليد يهدف من وراء ذلك أن يقنع الملك الغساني ويؤثر عليه بسبب صلة الرحم التي تربطه بأبناء عمومته الأوس والخزرج , ولكن هيهات أن يكون له قرار , فقد عرض عليه الوفد الإسلام ولكنه رفض قائلاً : (( وأنتم يا معاشر الاوس والخزرج رضيتم لانفسكم أمرا , ونحن رضينا لانفسنا أمرا لكم دينكم ولنا ديننا, فقال له الانصاري : ان كنت لا تحب ان تفارق دينك الذي انت عليه فاعتزل عن قتالنا لتنظر من تكون العاقبة والغلبة, فان كانت لنا وأردت الدخول في ديننا قبلناك وكنت منا وأخانا وان أقمت على دينك قنعنا منك بالجزية وأقررناك على بلدك وعلى مواطن كثيرة لآبائك وأجدادك , فقال جبلة: أخشى أن تركت حربكم وقتالكم وكانت الدائرة للقوم لا آمن أن يتقووا على بلدي لان الروم لا ترضى مني الا أن أكون مقاتلا لكم وقد رأسوني على جميع العرب وأنا لو دخلت دينكم كنت دنيئا ولا اتبع , فقال الانصاري , فان أبيت ما عرضناه عليك فان ظفرنا بك قتلناك فاعتزل عنا وعن سيوفنا فانها تفلق الهام وتبري العظام فتكون الوقعة بغيرك احب الينا من الوقعة بك وبمن معك , قال: وكانت الانصار يريدون بهذا الكلام تخويفه وترغيبه كي ينصرف عنهم وجبلة يأبى ذلك, فقال: وحق المسيح والصليب لا بد أن أقاتل عن الروم ولو كان لجميع الاهل والقرابة, فقال له قيس بن سعد: يا جبلة أبيت الا أن يحتوي الشيطان على قلبك فيهوى بك في النار فتكون من الهالكين وانما أتينا لندعوك الى دين الاسلام لان رحمك متصلة برحمنا فان أبيت فستعاين منا حربا شديدا يشيب فيه الطفل الصغير)) (فتوح الشام ج1/ص171).

ثم رجعوا الى الامير أبي عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنه وأعلموهما بمقالة جبلة وأنه ما يريد الا القتال (( فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أبعده الله تعالى فوعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين لينظرن منا جبلة ما ينظر ثم قال خالد بن الوليد رضي الله عنه اعلموا معاشر المسلمين أن القوم في ستين ألف فارس من العرب المتنصرة وهم حزب الشيطان ونحن ثلاثون ألف فارس من حزب الرحمن ونريد أن نلقي هذا الجمع الكبير فان قاتلنا جبلة بجمعنا كله كان ذلك وهنا منا ولكن ينتدب منا أبطال ورجال الى قتال هؤلاء العرب المتنصرة فقال أبو سفيان صخر بن حرب لله درك يا أبا سليمان فلقد أصبت الرأي , وقال : أبوعبيدة فاصنع ما تريد وخذ من الجيش ما أحببت فقال اني قد رأيت من الرأي أن نندب من جيشنا ثلاثين فارسا فيلقى كل واحد ألفي فارس من العرب المتنصرة قال الواقدي : فلم يبق أحد من المسلمين الا عجب من مقالة خالد بن الوليد رضي الله عنه وظنوا أنه يمزح بمقالته وكان أول من خاطبه في ذلك أبو سفيان صخر بن حرب وقال : يا ابن الوليد هذا كلام منك جد أو هزل , فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لا وعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت الا جدا. فقال أبو سفيان: فتكون مخالفا لامر الله تعالى ظالما لنفسك وما أظن أن لك في هذه المقالة مساعدا ولو قاتل الرجل منا مائتين كان ذلك أسهل من قولك يقاتل الرجل منا ألفين وأن الله عز وجل رحيم بعباده فرض رجلا منا تلقى الستين ألف فارس فما يجيبك أحد الى ذلك وان أجابك رجل لما قلته فانه ظالم لنفسه معين على قتله, فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا أبا سفيان كنت شجاعا في الجاهلية فلا تكن جبانا في الاسلام وانظر لمن أنتخب من رجال المسلمين وأبطال الموحدين فانك اذا رأيتهم علمت أنهم رجال قد وهبوا أنفسهم لله عز وجل وما يريدون بقتالهم غير الله تعالى ومن علم الله عز وجل ذلك من ضميره كان حقا على الله أن ينصره ولو سلك مفظعات النيران, فقال أبو سفيان: يا أبا سليمان الامر كما ذكرت وما أردت بقولي الا شفقة على المسلمين فاذا قد صح عزمك على ذلك فاجعل القوم ستين رجلا ليقاتل الرجل منهم ألف فارس من العرب المتنصرة , فقال الامير أبو عبيدة رضي الله عنه : نعم ما أشار به أبو سفيان يا أبا سليمان , فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: والله يا أيها الامير ما أردت بفعلي هذا الا مكيدة لعدونا لانهم اذا رجعوا الى أصحابهم منهزمين بقوة الله عز وجل ويقولون لهم من لقيكم فيقولون لقينا ثلاثون رجلا يداخلهم الرعب منا ويعلم ماهان أن جيشنا كفء له, فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: أن الامر كما ذكرت الا انه اذا كان ستون رجلا منا يكونون عصبة ومعينا بعضهم بعضا , فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أنا أنتدب من المسلمين رجالا أعرف صبرهم وقرارهم واقدامهم في الحرب وأعرض عليهم هذه المقالة فان أحبوا لقاء الله ورغبوا في ثواب الله عز وجل فإنهم يستتجيبون إلى ذلك وأن احبوا الحياة الدنيا والبقاء فيها ولم يكن فيهم من تطيب نفسه للموت فما بخالد الا أن يبذل مهجته لله عز وجل والله الموفق لما يحبه ويرضاه )) ( فتوح الشام ج:1 ص:171-172).



المعركة الأولى مع نصارى العرب:



واختار خالد بن الوليد ستون قارساً من المهاجرين وأكثرهم من الأنصار ,فقال أحدهم ان خالدا اليوم يقدم ذكر الانصار ويؤخر المهاجرين من ولد المغيرة بن قصي ويوشك انه يختبرهم أو يقدمهم للمهالك ويشفق على ولد المغيرة , قال الواقدي فلما سمع خالد بن الوليد رضي الله عنه ذلك من قولهم أقبل يخطو بجواده حتى توسط جميع الانصار وقال لهم والله يا أولاد عامر ما دعوتكم الا لما ارتضيته منكم وحسن يقيني بكم وبايمانكم فأنتم ممن رسخ الايمان في قلبه فقالوا انك صادق في قولك يا أبا سليمان ثم صافحه القوم ... فلما انتخب خالد بن الوليد من فرسان المسلمين ستين رجلا كل واحد منهم يلقى جيشا بنفسه قال لهم خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا أنصار الله ما تقولون في الحملة معي على هذا الجيش الذي قد أتى يريد حربكم وقتالكم فان كان لكم صبر وأيدكم الله بنصره مع صبركم وهزمتم هؤلاء العرب المتنصرة فاعلموا أنكم لجيش الروم غالبون فاذا هزمتم هؤلاء العرب وقع الرعب في قلوبهم فينقلبون خاسرين, فقالوا: يا أبا سليمان افعل بنا ما تريد والق ما تشاء فوالله لنقاتلن أعداءنا قتال من ينصر دين الله ونتوكل على الله تعالى وقوته ونبذل في طلب الآخرة مهجنا فجزاهم خالد بن الوليد رضي الله عنه خيرا وكذلك الامير أبو عبيدة رضي الله عنه وقال لهم تأهبوا رحمكم الله وخذوا أسلحتكم وعدتكم وليكن قتالكم بالسيف ولا يأخذ أحد منكم رمحا فان الرمح خوان ربما زاغ عن الطعن ولا تأخذوا السهام فانها منايا منها المخطىء ومنها المصيب والسيف والحجف عليهما تدور دوائر الحرب واركبوا خيولكم السبق النواجي ولا يركب الرجل منكم الا جواده الذي يصبر به وتواعدوا أن الملتقى عند قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم قال فقدموا على أهاليهم وودعوهم فأما ضرار بن الازور فانه عمد الى خيمته ليستعد بما يريد ويسلم على أخته خولة رضي الله عنها بنت الازور فلما لبس لامة حربه قالت له أخته خولة يا أخي مالي أراك تودعني وداع من أيقن بالفراق اخبرني ماذا عزمت عليه فأخبرها ضرار بما قد عزم عليه وانه يريد ان يلقى العدو مع خالد بن الوليد رضي الله عنه فبكت خولة وقالت يا أخي افعل ما تريد أن تفعل والق عدوك وانت موقن بالله تبارك وتعالى فانه لكم ناصر وان عدوك لا يقرب اليك أجلا بعيدا ولا يبعد عنك أجلا قريبا فان حدث عليك حدث أو لحقك من عدوك نائبة فوالله العظيم شأنه لا هدأت خولة على الارض أو تأخذ بثأرك فبكى ضرار بن الازور لبكائها واعد آلة الحرب وكذلك الستون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يناموا طول ليلتهم حتى ودعوا أولادهم وأهاليهم وباتوا في بكاء وتضرع وهم يسألون الله تعالى النصر على الاعداء الى أن أصبح الصباح فصلى بهم الامير أبو عبيدة رضي الله عنه صلاة الفجر فلما فرغ من صلاته كان أول من أسرع الى الخرج خالد بن الوليد رضي الله عنه وحرض أصحابه على الخروج وهو ينشد ويقول :

(هبوا جميع اخوتي أرواحا نحو العدو نبتغي الكفاحا) (فتوح الشام ج1/ص174) .

قال وودع المسلمون الستين أصحابهم وساروا بأجمعهم وخالد بن الوليد رضي الله عنه في أوساطهم كأنه أسد قد احتوشته الاسود ولم يزالوا حتى وقفوا بازاء العرب المتنصرة , ونظرت العرب المتنصرة الى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقبلوا نحوهم وهم نفر يسير فظنوا أنهم رسل يطلبون الصلح والمواعدة فصاح جبلة بالعرب المتنصرة وحرضهم ليرهب المسلمين ونادى يا آل غسان أسرعوا الى نصرة الصليب وقاتلوا من كفر به فبادروا بالاجابة وأخذوا الاهبة للحرب ورفعوا الصليب واصطفوا للقتال وقد طلعت الشمس على لامة الحرب فلمع شعاعها على الحديد والزرد والبيض كأنها شعل نار ووقفوا يبصرون ما يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أن قاربوا صلبان العرب المتنصرة ونادى خالد بن الوليد رضي الله عنه يا عبدة الصلبان ويا أعداء الرحمن هلموا الى الحرب والطعان فلما سمع جبلة كلام خالد رضي الله عنه علم أنهم ما خرجوا رسلا وانما خرجوا للقتال فخرج جبلة من بين أصحابه وقد اشتمل بلامة حربه وهو يقول:

انا لمن عبدوا الصليب ومن به .......... نسطو على من عابنا بفعالنا

ولقد علونا بالمسيح وأمه.......... والحرب تعلم أنها ميراثنا

انا خرجنا والصليب أمامنا .......... حتى تبددكم سيوف رجالنا

ثم قال جبلة من الصائح بنا والمستنهض لنا في قتالنا, فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أنا فاخرج الى حومة الحرب, فقال جبلة: نحن قد رتبنا أمورنا لحربكم وقتالكم وأنتم تتربصون عن قتالنا فوحق المسيح لا أجبناكم الى الصلح أبدا فارجعوا الى قومكم وأخبروهم اننا ما نريد الا القتال, قال فأظهر خالد التعجب من قوله , وقال له : يا جبلة أتظن أننا خرجنا رسلا اليك, فقال جبلة: أجل فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لا تظن ذلك أبدا فوالله ما خرجنا الا لحربكم وقتالكم فان قلتم اننا شرذمة فان الله ينصرنا عليكم, فقال جبلة: يا فتى قد غررت بنفسك وبقومك اذ خرجت الى قتالنا ونحن سادات غسان ولخم وجذام, فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لا تظن ذلك واننا قليلون فقتالكم رجل منا لالف منكم وتخلف منا رجال أشهى اليهم الحرب من العطشان إلى الماء . ثم صاح جبلة بقومه يا آل غسان الحملة .

فلما سمعوا كلام سيدهم حملت الستون ألف فارس في وجه خالد بن الوليد والستين رجلا فثبت لهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتبك الحرب بينهم فما كنت تسمع الا زئير الرجال وزمجرة الابطال ووقع السيف على البيض الصقال حتى ما ظن احد من المسلمين ولا من المشركين أن خالدا ومن معه ينجو منهم أحد, فبكى المسلمون وأخذهم القلق على أخوانهم وجعل بعضهم يقول لقد غرر خالد بن الوليد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلكهم والروم تقول أن جبلة أهلك هؤلاء القوم فهلاك العرب حاصل بأيدينا لا محالة ولم يزل القوم في الحرب والقتال حتى قامت الشمس في كبد السماء, قال عبادة بن الصامت فلله در خالد بن الوليد رضي الله عنه والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه والفضل بن العباس وضرار بن الازور وعبدالله بن عمر بن الخطاب رضوان الله عليهم اجمعين لقد رأيت هؤلاء الستة قد قرنوا مناكبهم في الحرب وقام بعضهم بجنب بعض وهم لا يفترقون وزادت الحرب اشتعالا وخرقت الاسنة صدور الليوث حتى بلغت الى خزائن القلوب لانقطاع الآجال ولم يزالوا في القتال الشديد الذي ما عليه من مزيد قال عبادة بن الصامت فحملت معهم وكنت في جملتهم وقلت يصيبني ما يصيبهم ونادى خالد بن الوليد وقال يا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا المحشر وقد أعطى خالد القلب مناه فلما حمى بينهم القتال حمل خالد بن الوليد وهاشم والمرقال وتكاثرت عليهم الرجال فلله در الزبير ابن العوام والفضل بن العباس وهم ينادون أفرجوا يا معاشر الكلاب وتباعدوا عن الاصحاب نحن الفرسان هذا الزبير بن العوام وأنا الفضل بن العباس أنا أبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه فوحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أحصيت للفضل بن العباس عشرين حملة يحملها عن خالد بن الوليد حتى أزال عنه الرجال والابطال وحملوا على المشركين حملة عظيمة ولم يزالوا في القتال يومهم الى أن جنحت الشمس الى الغروب والمسلمون قد جهدهم القلق على اخوانهم أما الامير أبو عبيدة رضي الله عنه فانه صاح بالمسلمين وقال يا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك خالد بن الوليد ومن معه لا محالة وذهبت فرسان المسلمن فاحملوا بارك الله فيكم لننظر ما كان من أخبار اخواننا فكل اجاب الى قوله واشارته الا أبا سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه فانه قال للامير أبي عبيدة رضي الله عنه لا تفعل أيها الامير فانه لا بد للقوم أن يتخلصوا ونرى ما يكون من أمرهم قال فلم يلتفت أبو عبيدة رضي الله عنه الى كلامه وهم أن يحمل وقد أخذه القلق فبينما هو كذلك واذا جيش العرب المتنصرة منهزمون وأصوات الصحابة رضي الله عنهم قد ارتفعت, قال وان خالد بن الوليد افتقد أصحابه الستين رجلا فلم يجد منهم الا عشرين فجعل يلطم على وجهه وهو يقول أهلكت المسلمين يا ابن الوليد فما عذرك غدا عند الرحمن وعند الامير عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبينما هو متحير في ذلك اذ أقبل عليه الامير أبو عبيدة رضي الله عنه وفرسان المسلمين وأبطال الموحدين فنظر أبو عبيدة رضي الله عنه الى خالد بن الوليد وما يصنع بنفسه وقد اشتغل عن متابعة المشركين فقال أبو عبيدة يا أبا سليمان الحمد لله على نصر المسلمين ودمار المشركين فقال خالد بن الوليد اعلم أيها الامير ان الله قد هزم الجيش ولكن أعقبتك الفرحة ترحة فقال أبو عبيدة رضي الله عنه وكيف ذلك فقال خالد أيها الامير فقدت أربعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم الفضل بن العباس وجعل خالد بن الوليد رضي الله عنه يسمي فرسان المسلمين واحدا بعد واحد حتى سمى أربعين رجلا فاسترجع أبو عبيدة رضي الله عنه وقال لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وقال لخالد لا بد لعجبك يهلك المسلمون فقال سلامة بن الاحوص السلمي أيها الامير دونك والمعركة فاطلب فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فان رأيتموهم والا فالقوم أسرى أو قد تبعوا المشركين فأمر أبو عبيدة فأتوا بهوادى النيران وكان الظلام قد اعتكر فافتقدوا المعركة بين القتلى فاذا قتل من العرب المتنصرة خمسة آلاف فارس وسيدان من ساداتهم وهما رفاعة بن مطعم الغساني والآخر شداد بن الاوس ووجدوا من قتل المسلمين عشرة رجال منهم اثنان من الانصار أحدهما عامر الاوسي والآخر سلمة الخزرجي فقال أبو عبيدة رضي الله عنه يوشك أن بعض الصحابة قد تبع المشركين فقال أبو عبيدة رضي الله عنه اللهم ائتنا بالفرج القريب ولا تفجعنا بابن عمة نبيك الزبير بن العوام ولا بابن عمه الفضل ابن العباس {كم كان حب صحابة رسول الله عظيماً لأهل بيت النبي رضوان الله عليهم } ثم قال أبو عبيدة معاشر المسلمين من يقفو لنا أثر القوم ويتعرف خبر الصحابة واجره على الله عز وجل فكان أول من أجابه خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال له الامير أبو عبيدة لا تفعل يا أبا سليمان لانك تعبت من شدة الحرب فقال خالد والله لا يمضي في طلبهم غيري ثم غير جواده بفرس من خيول المسلمين , وطلب آثار القوم وتبعه جماعة من المسلمين فما سار خالد بعيدا حتى سمع خالد التهليل والتكبير فأجابهم بمثله فأقبل القوم وفي أوائلهم الزبير بن العوام والفضل ابن العباس وهاشم والمرقال فلما نظر خالد اليهم فرح فرحا شديدا ورحب بهم وسلم عليهم وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه للفضل بن العباس يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أمركم فقال يا أبا سليمان هزم الله المشركين وردهم على أدبارهم خائبين فتبعنا آثارهم وان رجالا منا أسروا فرجونا خلاصهم فلم نرهم ولا شك أنهم قتلوا فقال خالد رضي الله عنه ان القوم في الاسر لا محالة فقال الزبير بن العوام من أين علمت ذلك يا أبا سليمان فقال خالد رضي الله عنه انا لم نجد في المعركة غير عشرة رجال ونحن عشرون وأنتم خمسة وعشرون وقد أسر خمسة رجال لا محالة وكان الاسرى رافع بن عميرة وربيعة بن عامر وضرار بن الازور وعاصم بن عمرو ويزيد بن أبي سفيان فعظم ذلك على المسلمين ورجعوا الى أبي عبيدة رضي الله عنه فلما نظر الى الفضل بن العباس والى الزبير بن العوام والمرقال بن هاشم وقد رجعوا سالمين فرحين بما نصرهم الله على الكافرين سجد على قربوس سرجه شكرا لله تعالى فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه معاشر المسلمين لقد بذلت مهجتي أن أقتل في سبيل الله تعالى فلم أرزق الشهادة فمن قتل من المسلمين كان أجله قد حضر ومن أسر كان خلاصه على يدي ان شاء الله تعالى , قال : وباتت الفرسان في فرح وسرور وبات الروم في نوح عظيم حين كسرت حامية عسكرهم .

وكتب أبو عبيدة الى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبي عبيدة عامر بن الجراح عامله سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا اله الا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأعلم يا أمير المؤمنين أن كلب الروم هرقل قد استفز علينا كل من يحمل الصليب وقد سار القوم الينا كالجراد المنتشر وقد نزلنا باليرموك بالقرب من أرض الرماة والخولان ... وفي مقدمتهم ستون ألف من العرب المنتصرة من غسان ولخم وجذام فأول من لقينا جبلة بن الايهم في ستين ألف فارس وأخرجنا اليه ستين رجلا فهزم الله تعالى المشركين على أيديهم وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم وقتل من أصحابنا عشرة ... ونحن على نية الحرب والقتال فلا تغفل عن المسلمين وأمدنا برجال من الموحدين ونحن نسأل الله تعالى أن ينصرنا وينصر الاسلام وأهله والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته )) .




[ تم التعديل بواسطة ابوالوليد في 21/9/2006 19:43 ]

ابوالوليد
21-09-2006, 06:42 PM
وصل الكتاب إلى عمر وقرأه عمر على صحابة رسول الله وزوده بتوجيهات , وأرسله إلى أرض المعركة وهنا نجد إشكالاً بين روايتين الرواية السابقة التي جعلت خروج عبدالله بن قرط من الجابية إلى المدينة ووصوله محتماً سيكون بعد وصول الجيش إلى اليرموك , وربما يكون الفارس حامل الرسالة أسرع من مسير الجيش ,على أننا نميل إلى أن عبدالله بن قرط سار إلى المدينة مرة واحدة , سواء من الجابية أو من اليرموك , وعلى أية حال لو عدنا إلى الرواية التي توحي أن وصول ابن قرط بعد معركة الستين من فرسان المسلمين مع الستين ألف من نصارى العرب , فقد ودع ابن قرط عمر وقال يا أمير المؤمنين : ادع الله تعالى لي بالسلامة والسرعة في السير فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم احمه وسلمه واطو له البعيد انك على كل شيء قدير . قال عبدالله بن قرط , وخرجت من المسجد من باب الحبشة فقلت في نفسي لقد أخطأت في الرأي اذ لم أسلم على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أدري أراه بعد اليوم أم لا قال عبدالله فقصدت حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها جالسة عند قبره وعلى بن ابي طالب كرم الله وجهه والعباس جالسان عند القبر والحسين في حجر علي والحسن في حجر العباس رضي الله عنه وهم يتلون سورة الانعام وعلي رضي الله عنه يتلو سورة هود فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال علي رضي الله عنه: يا ابن قرط عولت على المسير الى الشام. فقلت :نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أظن ان أصل اليهم الا والجيش قد التقى والحرب دائرة واذا أشرفت عليهم لا يرون معي مدادا ولا نجدة خشيت عليهم أن يهنوا ويجزعوا وكنت أحب أن أصل اليهم قبل التقائهم بعدوهم حتى أعظهم وأصبرهم, فقال علي رضي الله عنه: فما منعك أن تسأل عمر بن الخطاب أن يدعو لك أما علمت يا أبن قرط أن دعاءه لا يرد ولا يحجب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه لو كان نبي ثان بعدي لكان عمر بن الخطاب أليس هو الذي يوافق حكمه حكم الكتاب حتى قال المصطفى ( لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلا عمر بن الخطاب )أما علمت ان الله تعالى انزل فيه آيات بينات أما هو الزاهد التقى أما هو العابد أما هو المشبه بنوح النبي فان كان هو قد دعا لك فقد قرن دعاؤه بالإجابة .

كان المدد يتتالى من اليمن والحجاز وسائر أمصار جزيرة العرب , وقد وصل إلى المدينة جيش من اليمن(( للجهاد وهم ستة آلاف يقدمهم جابر بن خول الربعي فترجلت ساداتهم وسلموا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمرهم بالنزول فلما أقل الظلام جاء ألف فارس من مكة والطائف ووادي نخلة وثقيف يقدمهم سعيد بن عامر وسلموا على عمر ونزلوا بأزاء أهل اليمن فلما كان يوم الاحد حمل عمر ضعيفهم وزودهم وعقد راية حمراء على قناة تامة وسلمها الى سعيد بن عامر)) وساروا بعد وصية عمر لقائد الجيش وهم في الطريق قابلوا بطريق عمان (حاكم عمان عاصمة الأردن حالياً وبطريق هو لقب إداري بيزنطي ) وهو قادم نحو اليرموك للانضمام إلى جيش الروم باليرموك , وفي الوقت الذي كان أبو عبيدة ينتظر جيش سعيد بن عامر وقد أتته الجواسيس بخبر جيش بطريق عمان خشي على المدد القادم من المدينة بقيادة سعيد بن عامر أن يفاجئه جيش عمان , فأرسل ابوعبيدة الزبير بن العوام والفضل بن العباس اللذان وصلا مع بداية المعركة حيث تمت إبادة أربعة ألاف جندي من جيش عمان , وأسر ألفاً, وتمكن الزبير بن العوام من قتل بطريق عمان بسيفه .

وصل الخبر إلى أبو عبيدة بوصول المدد وبسحق جيش عمان , فسجد شكرا لله عز وجل , وأمر بالألف أسير فضربت أعناقهم والروم ينظرون إليهم قال قطبة بن سويد وأخبرت الروم أنه لم ينج أحد من جيش عمان .

كانت مسيرة الأحداث تحطم معنويات الروم بكل ساعة فالمدد لم ينقطع وجيش نصارى العرب قد هزم شر هزيمة وخلال ساعات نهار طويلة تمكن الستون من أشد مقاتلي الأرض قوة وصلابة وإيماناً من قتل وإبادة أعداد لا تحصى من جيش جبلة بن الأيهم من النصارى , ورغم أن الأحداث كانت كبيرة , والعالم مقدم خلال أيام قليلة قادمة – حينئذ – على تغيير موازين القوى , ورغم كل الاستقراء الخاطئ لها قبل بدء المعركة , فإننا حتى لو لم نقبل المبالغة التي تقول أن قتلى جيش جبلة وصل إلى أربعة أخماسه فإننا يمكن لنا أن نتصور كيف تكون خسارة جيش قاتل أكثر من عشر ساعات دون تحقيق أهدافه , وإلا أين ذهب أيضاً جيش الروم بعد المعركة وهو يزيد عن 240000مقاتل . لقد كانت تلك الأيام أيام حاسمة في تاريخ البشرية , حين أذن الله سبحانه بعلو وانتصار الحق على الباطل ,((و قل ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )) .

لم يكن معسكر المسلمين مستبشراً كثيراً في بداية الأمر , فالخطب عظيم إلى الدرجة أن أعد الجميع أنفسهم لكل الاحتمالات, ولكن جملة من الأحداث غيرت من نفسيات المجاهدين المسلمين بقيادة أمين الأمة أبو عبيدة وسيف الله المسلول خالد بن الوليد وهي ما يلي :

1) بشرى علي بن أبي طالب وتأكيد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لهم بالنصر ( وإنكم منصورون على كل حال ) إلى جانب دعاء عمر وعلي والعباس وزوجات رسول الله رضوان الله عليهم .

2) نصر جيش الستون من أشد مقالتلي الأرض ضراوة وحباً للجهاد والشهادة على ستون ألف من نصارى العرب , قبيل معركة اليرموك بقليل .

3) النصر الذي حققه بتوفيق من الله ثم عامل الصدفة فقد كان سعيد بن عامر يعرف الطريق جيداً إلى أرض المعركة ولكنه ضل الطريق واتجه دون قصد نحو عمان بجيشه الذي يبلغ سبعة آلاف مقاتل والتقى بجيش عمان البيزنطي ,كل ذلك أعطى المسلمون باليرموك كماً هائلاً من الحماس والإحساس المؤكد بنصر الله .

4) قيام أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بإعدام ألف أسير من أسرى جيش البيزنطيين تحت ضرورة الحرب , فالمعركة لم تبدأ بعد , وسيشكلون ثقلاً على الجيش الإسلامي الذي لن يستطيع فرز كتيبة حراسة لألف من هؤلاء الأسرى , والذين في أي لحظة يمكن أن يشكلوا خطراً داهماً على مؤخرة معسكر المسلمين , وقد شكلت هذه الخطوة ربما عملية دعم معنوي أدى إلى استهانة الجندي المسلم بعدوه, كما شكلت هزيمة معنوية لجيش العدو الذي رغم كثرته فهو لم يستطع أن يتحرك لحماية رجاله .

5) وعلى العكس تماماً فقد كان أسر خمسة من جيش الستون قد أغم أبو عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهم كيف لا وكل واحد منهم بألف رجل كما أثبتت التجربة بقتال الأمس , قال الواقدي ((لما أسر الخمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتم لفقدهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أكثرهم غما أبو عبيدة بن الجراح وأقبل على البكاء والتضرع يدعو لمن أسر بالخلاص وأما الخمسة فإنهم مثلوا بين يدي ماهان لعنه الله تعالى وغضب عليه, فلما نظر إليهم استحقر شأنهم وقال لجبلة بن الأيهم من هؤلاء قال: أيها الملك هؤلاء قوم من جيش المسلمين وقد كانوا ستين رجلا فقتلت اكثرهم وأسرت هؤلاء وما بقي في عسكرهم من تخاف غائلته الارجل واحد وهو الذي يثبتهم ويرمي بهم كل المرامي وهو الذي فتح أركة وتدمر وحوران وبصرى ودمشق وهو الذي كسر عساكر اجنادين وتبع توما وهربيس وقتلهم في مرج الديباج )) . يعني خالد بن الوليد , وعلى أية حال فقد كانت حادثة أسر الخمسة محفزاً للمسلمين بفكهم من الأسر حين كان المسلم الواحد يساوي أمم الأرض قاطبة .

وكان ماهان قد بث جواسيس من العرب النصارى بين جند المسلمين بحيث لا يعرفهم أحد إن كانوا من المسلمين الجدد أم هم من النصارى , وبدأوا يعودون إلى معسكر ماهان فرادى بتقاريرهم عن أوضاع معسكر المسلمين من الداخل ومعنويات جندهم فقال أحد الجواسيس العرب لماهان (( جئتك من عند قوم يقومون الليل كله، يصلون ويصومون النهار، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل فرسان بالنهار، لو يسرق مَلِكُهم لقطعوا يده، ولو زنا لرجموه؛ لإيثارهم الحق، واتباعهم إياه على الهوى )).فلما انتهى الرجل العربي من كلامه قال القائد الرومي: (( لئن كان هؤلاء القوم كما تزعم، وكما ذكرت لبطنُ الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم. )) وهكذا كانت تقارير بقية الجواسيس تعطي رأياً واحداً هو أن المعركة القادمة لن تكون كأي معركة يمكن للعوامل العسكرية وحدها أن تحسمها , ولهذا فقد أرسل ماهان قائد جيش الروم الملك جرجير يطلب من المسلمين مقابلة مع خالد بن الوليد , فوافق أبو عبيدة , (( وقال أبو عبيدة امض يا أبا سليمان سلمك الله تعالى فلعل الله تعالى أن يهديهم أو يدعونا للصلح وأداء الجزية فتحقن الدماء على يدك فحقن دم رجل واحد أحب إلى الله تعالى من أهل الشرك جميعا, فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أنا أطلب من الله تعالى العون , ثم وثب خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى خيمته ولبس خفين حجازيين وتعمم بعمامة سوداء وشد وسطه بمنطقة من الأديم وتقلد سيفه الذي استلبه من مسيلمة الكذاب يوم اليمامة وأمر عبده عمان أن يأخذ قبته الحمراء وكانت من الأديم الطائفي وفيها شمعات من الذهب الأحمر وحليتها من الفضة البيضاء وكان خالد قد أشتراها من إمرأة ميسرة بن مسروق العبسي بثلثمائة دينار فحملها على بغل وركب خالد جواده فلما هم بالمسير قال له أبو عبيدة : يا ابا سليمان خذ معك رجالا من المسلمين يكونون لك عونا, فقال خالد: أيها الأمير أحب ذلك ولكن لا إكراه في الدين وليس لي عليهم طاعة فأمر من شئت فلما سمع المسلمون كلام خالد بن الوليد رضي الله عنه قال معاذ بن جبل: يا أبا سليمان انك من أهل الفضل ولو أمرتنا بأمر إمتثلناه لأنك سائر في طاعة الله تعالى ورسوله )) .

واستركب معه مائة فارس من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين ولم يزل خالد ينتخب مثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم حتى كمل منهم مائة فارس كل فارس منهم يرد جيشا وحده فاخذوا زينتهم واشتملوا بلباس الحرب وتوشحوا بالأبراد وتعمموا بالعمائم وتمنطقوا بالخناجر وتقلدوا بالسيوف وركبوا الخيل العتاق وسار خالد بن الوليد رضي الله عنه وعن يمينه معاذ بن جبل وعن شماله المقداد بن الأسود الكندي والمائة فارس محدقون به .

ثم نصب خالد خيمته الحمراء بين المعسكرين , وشق صفوف جند الروم نحو مقر القائد البيزنطي , وتحادثا محادثة طويلة فيها من الشجون السياسية والتهديد العسكري المبطن والعلني وبها مناقشات دينية , واتسمت المناقشات بالإحترام الشديد , وبعد الترحيب الرسمي قال خالد بن الوليد _ ولم يكن بين خالد وماهان ترجمان يبلغ عنهما بل كانا يتحدثان كلاهما- فقال خالد : يا ماهان اني اكره أن أبداك بالكلام فتكلم أنت بما تريد فاني لست ابالي بما تتكلم ولكل كلام جواب فان شئت فتكلم وان شئت بدأتك قال ماهان أنا أبدؤكم الحمد لله الذي جعل سيدنا الروح المسيح كلمته وملكنا أفضل الملوك وأمتنا خير الامم قال فعظم ذلك على خالد بن الوليد وقطع خالد كلامه فقال الترجمان لا تقطع كلام الملك يا أخا العرب واستعمل حسن الادب , فأبى خالد أن يسكت بل قال خالد : الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وجميع الانبياء وجعل أميرنا الذي وليناه أمورنا كبعضنا لو زعم أنه يملك علينا لعزلناه فلسنا نرى أن له فضلا علينا الا أن يكون أتقى لله عز وجل منا وقد جعل الله أمتنا تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقر بالذنب وتستغفر منه وتعبد الله تعالى وحده لا شريك له قال فاصفر وجه ماهان وسكت قليلا , ثم قال : الحمد لله الذي أبلانا وأحسن البلاء الينا وعافانا من الفقر ونصرنا على الامم وأعزنا ومنعنا من الضيم ولسنا فيما خولنا الله فيه من نعيم الدنيا بطرين ولا باغين على الناس وقد كان يا معاشر العرب طائفة منكم يغشوننا ويلتمسون نائلنا ورفدنا وجوائزنا ونحن نحسن إليهم ونكرمهم ونكرم ضعيفهم ونعظم قدرهم ونتفضل عليهم ونفي لهم بالوعد وكنا نظن أن العرب كلها تعرف لنا ذلك من جميع القبائل وتشكرنا عليه لما أسدينا من عطايانا الجميلة لهم فما شعرنا حتى جئتمونا بالخيل والرجل وظننا أنكم تطلبون منا طلب إخوانكم فإذا انتم على خلاف رأي أولئك جئتم تقتلون الرجال وتسبون النساء وتغنمون الأموال وتهدمون الأطلال وتطلبون أن تخرجونا من أرضنا وتغلبونا على بلادنا وقد طلب منا ذلك من كان قبلكم ممن هو أكثر منكم عددا وأكثر أموالا وسلاحا وظهرا فرددناهم خائفين وجلين خائبين بين قتيل وجريح وطريد وطريح فأول ما فعلنا ذلك بملك فارس فرده الله على عقبيه بالخيبة والذل , وكذلك فعلنا بملك الترك وملك الجرامقة وغيرهم , وانتم لم يكن في أمة من الأمم أصغر منكم مكانا ولا أحقر شانا لأنكم أهل الشعر والوبر والبؤس والشقاء وإنكم مع ذلك تظلمون في بلادكم وبلادنا و حوالينا أمة كثيرة العدد وشوكتنا شديدة وعصبتنا عظيمة وإنما قبلتم علينا لأنكم خرجتم من جدوبة الأرض وقحط المطر فانجليتم إلى بلادنا وأفسدتم كل الفساد وركبتم مراكب ليست كمراكبكم ولبستم ثيابا ليست كثيابكم وتمتعتم ببنات الروم البيض الاوانس فجعلتموهن خدما لكم واكلتم طعاما ليس كطعامكم وملئت أيديكم من الذهب والفضة والمتاع الفاخر ولقد لقيناكم الآن ومعكم أموالنا وما غنمتموه من قومنا وأهل ديننا وقد تركناه لكم لا نطالبكم به ولا ننازعكم فيه ولا نعتب عليكم فيما تقدم من فعالكم, والآن فاخرجوا من بلادنا فان أبيتم الانصراف عنا عزمنا عليكم عزمة فنترككم كأمس الدابر وان جنحتم للصلح نأمر لكل واحد من عسكركم بمائة دينار وثوب ولاميركم أبي عبيدة بألف دينار ولخليفتكم عمر بن الخطاب بعشرة آلاف دينار وعلى أنكم تحلفون لنا أن لا تعودوا الى حربنا ,))

كان ماهان يرغب تارة ويرهب اخرى وخالد مطرق لا يتكلم حتى فرغ ماهان من كلامه فقال خالد ان الملك قد تكلم فأحسن وسمعنا كلامه ونتكلم ويسمع كلامنا ثم قال خالد بن الوليد رضي الله عنه الحمد لله الذي لا اله الا هو فلما سمع ماهان ذلك مد يده الى السماء وقال نعم ما قلت يا عربي فقال أشهد أن لا اله الا الله وأشهد ان محمدا عبده ورسوله المرتضى ونبيه المجتبى صلى الله عليه وسلم , فقال ماهان ما أدري أمحمد رسول الله أم لا ولعله كما تقول وتزعم وتذكر, فقال خالد رضي الله عنه حسب الرجل دينه , ثم قال أفضل الساعات وخيرها الساعات التي يطلع فيها الله رب العالمين , فالتفت ماهان إلى قومه وقال بلسانه انه رجل عاقل يتكلم بالحكمة فقال خالد ما الذي قلت لقومك فأخبره بمقالته فقال خالد أن كنت أوتيت العقل فالله تعالى المحمود على ذلك وقد سمعنا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : لما خلق الله تعالى العقل وصوره وقدره قال أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فادبر فقال الله تعالى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك بك تنال طاعتي وتدخل جنتي , فقال ماهان اذا كنت بهذا العقل والفهم فلم جئت بهؤلاء معك قال خالد بن الوليد رضي الله عنه جئت بهم لأشاورهم , قال ماهان: وأنت مع جودة عقلك وحسن رأيك وبصيرتك تحتاج إلى مشورة غيرك قال خالد نعم بهذا أمر الله عز وجل نبينا محمدا صلى الله عنه فقال الله تعالى في كتابه العزيز وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وقال صلى الله عليه وسلم ما ضاع امرؤ عرف قدره ولا ضاع مسلم استشار فأنا وان كنت ذا رأي وعقل كما تزعم وكما بلغك فاني لا استغني عن رأي ذي رأي ومشورة أصحابي قال ماهان وهل في عسكركم من له رأي مثل رأيك وحزم مثل حزمك قال نعم ان في عسكرنا اكثر من الف فارس لا يستغني عن رأيهم ولا عن مشورتهم فقال له ماهان ما كنا نظن ذلك فيكم وانما كان يبلغنا عنكم انكم طماعون جهال لا عقول لكم يغير بعضكم على بعض وينهب بعضكم أموال بعض , فقال له خالد رضي الله عنه : ذلك كان شأن أكثرنا حتى بعث الله عز وجل فينا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فهدانا لرشدنا وعرفنا سبيلنا وفهمنا الخير من الشر والهدى من الضلال فقال ماهان يا خالد انك قد أعجبتني بما أراه من رأيك وبصيرتك وقد أحببت أن اؤاخيك فتكون أخي وخليلي فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه وافرحاه ان تمم الله مقالتك فتكون إذا سعيدا ولا نفترق فقال ماهان وكيف ذلك قال خالد تقول أشهد أن لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله الذي بشر به عيسى ابن مريم فاذا فعلت ذلك كنت أخي وكنت أخاك وتكون خليلي وأكون خليلك ولا نفترق إلا لأمر يحدث فقال ماهان: أما ما دعوتني اليه من الترك لديني والدخول في دينكم فمالي إلى ذلك من سبيل فقال خالد بن الوليد: وكذلك أيضا لا سبيل الى مؤاخاتي لك وأنت مقيم على دينك دين الضلال قال ماهان أريد أن ألقى الحشمة بيني وبينك وأكلمك كلام الاخ لاخيه فأجبني عن كلامي الذي دعوتك اليه حتى أسمع ما تقول , قال خالد : أما بعد فانك تعلم أن الذي ذكرته مما فيه قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظهور على الاعداء والتمكن في البلاد فنحن عارفون به وكل ما ذكرته من إنعامكم على جيرانكم من العرب فقد عرفنا ولكن انما فعلتم ذلك ابقاء لنعمتكم ونظرا منكم لأنفسكم وذراريكم وزيادة لكم في مالكم وعزا لكم فتستكثرون جموعكم وتلقون الشوكة على من أرادكم وأما ما ذكرته من فقرنا ورعينا الإبل والشاة فما منا من لم يرع وأكثرنا رعاة ومن رعى منا كان له الفضل على من لم يرع وأما قولك بأننا أهل فقر وفاقة وبؤس وشقاء فنحن لا ننكر ذلك وانما ذلك من أجل انا معاشر العرب أنزلنا الله تعالى منزلا ليس فيه أنهار ولا أشجار ولا زرع الا قليل وكنا أهل جاهلية جهلاء لا يملك الرجل منا إلا فرسه وسيفه وأباعره وشياهه ويأكل قوينا ضعيفنا ولا يأمن بعضنا بعضا الا في الاربع الاشهر الحرم نعبد دون الله الاصنام والاوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ونحن عليها مكبون ولها حاملون فبينما نحن كذلك ...حتى بعث الله لنا نبيا نعرف حسبه ونسبه هاديا مهديا رسولا نبيا واماما تقيا اظهر الاسلام بدعوته ودحض المشركين بكلمته جاءنا بقرآن مبين وصراط مستقيم ختم الله تعالى به النبيين وأمرنا بعباده رب العالمين نعبده ولا نشرك به شيئا ولا نتخذ من دونه وليا ولا نجعل لربنا صاحبة ولا ولدا لا شريك له ولا ضد ولا ند له ولا نسجد للشمس ولا للقمر ولا للنور ولا للنار ولا للصليب ولا للقربان ولا نسجد الا لله وحده لا شريك له ونقر بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه انزل الله عليه كلامه الذي هدانا به مولانا فاستجبنا له واطعنا أمره فكان مما أمرنا به ان نجاهد من لا يدين بديننا ولا يقول بقولنا ممن كفر بالله واتخذ معه شريكا جل ربنا وتعالى عن ذلك لا تأخذه سنة ولا نوم فمن اتبعنا كان اخانا وصار له ما لنا وعليه ما علينا ومن ابى الاسلام كانت عليه الجزية يؤديها الينا عن يد وهو صاغر فاذا اداها حقن بها ماله ودمه وولده ومن أبى الاسلام وأن يؤدي الجزية فالسيف حكم بيننا وبينه حتى يقضي الله جل جلاله بحكمه وهو خير الحاكمين ونحن ندعوكم الى هذه الخصال الثلاث ليس غيرها اما أن تقولوا نشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله أو الجزية في كل عام على كل محتلم من الرجال وليس على من لم يبلغ الحلم جزية ولا على امرأة ولا على راهب منقطع في صومعته قال ماهان فهل بعد قول لا اله الا اله غير هذا فقال خالد نعم أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتحجوا البيت الحرام وتجاهدوا من كفر بالله تعالى وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتوالوا في الله تعالى وتعادوا في الله فان أبيتم ذلك فالحرب بيننا وبينكم حتى يورث الله أرضه من يشاء والعاقبة للمتقين قال ماهان فافعل ما تشاء فاننا لا نرجع عن ديننا ولا نؤدي الجزية وأما ما ذكرت من ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده فلقد صدقت فانها لم تكن لنا ولا لكم بل كانت لقوم غيرنا وغيركم فقاتلناهم عليها حتى ملكناها منهم والحرب بيننا وبينكم فابرزوا على اسم الله تعالى فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه ما أنتم بأشهى منا الى الحرب وكأني بحيوشكم وقد انهزمت والنصر يقدمنا وتساق أنت والحبل في عنقك ذليلا حقيرا وتقدم بين يدي عمر بن الخطاب فيضرب عنقك قال فلما سمع ماهان كلام خالد بن الوليد غضب غضبا شديدا قال فلما نظرت البطارقة والحجاب والهرقلية والقياصرة الى غضب ماهان هموا بقتل خالد الا انهم صبروا ينظرون امره فقال ماهان لخالد وقد اسشاظ غضبا وحق المسيح لاحضرن اصحابك الخمسة الاسارى وأضربن أعناقهم وأنت تنظر اليهم فقال له خالد اسمع ما اقول لك يا ماهان انت أقل وأذل وأحقر من ذلك واعلم ان هؤلاء الذين في يدك هم منا ونحن منهم فوحق الدعوة المستجابة وحق بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخلافة عمر بن الخطاب لئن قتلتهم لاقتلنك بسيفي هذا ويقتل كل رجل منا من قومك بعددهم وزيادة ثم وثب خالد رضي الله عنه من موضعه وانتضى سيفه من غمده وفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعله وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله وجردوا سيوفهم وهاجوا كالجمال أو كالسباع الضواري واستقتلوا وأيقنوا بالشهادة في ذلك المكان .

ويروي الواقدي عن مسلم بن عبدالحميد عن جده رافع بن مازن قال كنت مع خالد يوم سرنا الى ماهان وكنا في سرادقة فلما جذبنا السيوف وهممنا بالقوم وما في اعيننا من جيوش الروم شيء وقد ايقنا بالحشر من ذلك الموضع ... فلما رأى ماهان الحقيقة منا ومن خالد وتبين الموت في شفار سيوفنا نادى ماهان مهلا يا خالد لا تكن بهذه العجلة تهلك وأنا أعلم انك ما قلت ذلك القول الا انك رسول والرسول يحمل ولا يقتل وأنا انما تكلمت بما تكلمت لاختبركم وانظر ما عندكم والآن فما أواخذك فارجع الى عسكرك واعزم على القتال حتى يعطي الله تعالى النصر لمن يشاء فلما سمع ذلك أغمد سيفه وقال يا ماهان ما تصنع في هؤلاء الاسرى فقال ماهان أطلقهم كرامة لك وأخلي سبيلهم فيكونون عونا لك ولن تعجزونا في الحرب غدا ففرح خالد بذلك وأمر ماهان بتخلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاطلقوا من وثاقهم وهم خالد بالمسير فقال ماهان يا خالد اني كنت أحب أن يصلح الامر بيني وبينكم واني أسألك حاجة فقال خالد سل ما تريده فقال أن قبتك هذه الحمراء قد أعجبتني واني أريد أن تهبها لي وانظر في عسكري ما أعجبك من شيء فأهبه لك فقال خالد والله لقد فرحتني اذ طلبت ما أملكه وهي موهوبة لك وأما ما عرضت علي من عسكرك فلا حاجة لي فيه فقال ماهان لله درك أنت تكرمت وأجملت فقال خالد رضي الله عنه وأنت أيضا قد تكرمت علينا بما صنعت من اطلاق أصحابي من الاسر ثم انثنى خارجا من عند ماهان وأصحابه من حوله وقدم له جواده فركبه وركب أصحابه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ماهان أصحابه وحجابه أن يسيروا معهم حتى يبلغوهم قال ففعل القوم ذلك ووصل خالد وأصحابه الى الامير أبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين وسلموا عليه وفرح المسلمون بخلاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث خالد أبا عبيدة بكل ما جرى لهم ثم قال خالد وحق المنبر والروضة ما كان ماهان ليطلق لنا أصحابنا الا فزعا من سيوفنا .



التخطيط للمعركة :



عقد باهان اجتماعاً لقادته وتبادلوا الإقتراحات حول المعركة غداً وكانت الإقتراحات أن يقاتل الروم في كل يوم بمأئة ألف مقاتل بينما يستريح الباقون , أما الأتراح الآخر وهو أن يدخل باهان بكل قوته العسكرية التي تزيد عن ستة أضعاف قوة المسلمين دفعة واحدة ليحسم المعركة بوقت أسرع , وهكذا استقر رأي باهان , فكتب رسالته الأخيرة إلى إمبراطوره هرقليوس في شمال سوريا يقول (( ....فأرسلت إليهم فهيبتهم فلم يهابوا , وأطمعتهم فلم يطمعوا , وسألتهم الصلح فلم يقبلوا ... وقد ذعر منهم جندك ذعراً شديداً , وقد خشيت أن يكون الفشل قد عمهم والرعب قد دخل في قلوبهم ... وقد جمعت أهل الرأي ... فاجتمع رأيهم على النهوض إليهم جميعاً في يوم واحد ثم لا نزايلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم , وقد أتاني آت في منامي فقال لي : لا تقاتل هؤلاء القوم فإنهم إذاً يهلكونك , فلما انتبهت من منامي عبرت أنه من الشيطان ... فإن يكن من الشيطان فقد خسأته وإلا يكن فقد تبين لي الأمر ...)) ثم نصحه بالخروج إلى أقاصي بلاد الشام فإذا سمع بهزيمة جيشه (( فارض بقضاء الله , واعلم أن الدنيا زائلة عنك ..))

بينما أقبل خالد على أصحابه وهم عسكر الزحف وقال لهم إعلموا أن هؤلاء الكفرة الذين نصركم الله عليهم في المواطن الكثيرة قد حشدوا لكم جموع بلادهم واني دخلت الى عسكرهم ونظرت اليهم فكانهم النمل ولكنهم أصحاب عدة بلا قلوب ولا لهم من ينصرهم عليكم وهذه الوقعة بيننا وبينهم وقد أيقنا أن القتال في غداة غد وانتم أهل البأس والشدة فما عندكم رحمكم الله تعالى قال فتكلم أصحاب خالد وقالوا أيها الامير القتال بغيتنا والقتل في سبيل الله تعالى مسرتنا ولا نزال نصبر لهم على الحرب والطعن والضرب حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ففرح خالد بقولهم وقال لهم وفقكم الله تعالى وأرشدكم

وفي تلك الليلة أخذ كل من بمعسكر المسلمين عدته واهبته واستعد بآلة الحرب والقتال وباتوا فرحين بالجهاد والثواب وخائفين من العقاب فلما أصبح القوم ولاج الفجر أذن المؤذنون في عسكر المسلمين حتى ارتفعت لهم جلبة عظيمة بالتوحيد واسبفوا الوضوء لصلاتهم خلف أبي عبيدة فلما صلوا ركبوا خيولهم الى قتال عدوهم وعبوا صفوفهم للقتال وكانوا ثلاثة صفوف متلاصقة أول الصف لا يرى آخره وأقبل خالد بن الوليد على أبي عبيدة رضي الله عنه فقال له أبو عبيدة : وقال يا أبا سليمان قد وليتك على الخيل والرجل فول أمر الرجالة من شئت , ولكن خالد بكل أدب مع أمين هذه الأمة أبو عبيدة قال : من كنت تجعل على ميمنتك ؟ قال أبو عبيدة : معاذ بن جبل , فقال خالد أهل ذلك هو الرضا والثقة ,فوله إياها فأمر أبو عبيدة معاذا فوقف في الميمنة , ثم قال خالد من كنت ستولي الميسرة ؟ قال أبو عبيدة غير واحد قال خالد فولِّها قبَّاث بن أشيم إن رأيت ؟ فأمره أبو عبيدة فوقف بالميسرة . قال خالد : وأنا على الخيل وولِّ على الرجالة من شئت .قال أبو عبيدة : أوليها إن شاء الله من لا يخاف نكوله ولا صدوره عند البأس , أوليها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص . قال خالد: وفقت ورشدت . قال أبو عبيدة إنزل يا هاشم فأنت على الرجالة وأنا معك .قال خالد إبعث إلى كل راية فمرهم أن يطيعوني ., فدعا ابو عبيدة الضحاك بن قيس فأمره بذلك , فخرج الضحاك يسير في الناس ويقول لهم : أميركم أبا عبيدة يأمركم بطاعة خالد بن الوليد فيما أمركم به . ويقول الناس سمعنا وأطعنا .

أعاد خالد بن الوليد من جديد تنظيم الجيش الداخلي وجعل الجيش جيشاً واحداً , ولعل الروايات هنا تختلف إختلافاً حادا فبعض الروايات ترى أن خالداً قد جعل على الميسرة شرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وميمنته لعمرو بن العاص ,بينما كلف أبو عبيدة بالقلب ومعه سعيد بن زيد أحد المبشرين العشرة بالجنة , ولعل سبب إختلاف المؤرخين بأسماء القادة إنما يعود إلى الأختلاف بالأصل على سنة وقوع المعركة فهؤلاء هم الذين يرون أن النعركة وقعت سنة 13للهجرة , بينما الذين يرون الرأي السابق هم الذين يرون وقوع المعركة في عام 15 للهجرة أي بعد فتح دمشق وانسحابهم منها .

ومهما يكن فقد ابتكر خالد بن الوليد تخطيطاً جديدا للمعركة (( خرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك أبداً ))وكان سبب ذلك أن عدد جيش العدو يبلغ ستة أضعاف عدد جيش المسلمين , فقسم جيش المسلمين إلى 40 كردوساً كل كردوس يتكون من حوالي ألف رجل , فوضع في القلب 18 كردوساً قاد كل كردوس رجال كعبدالرحمن بن أبي بكر و عياض بن غنم , وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد وسهيل بن عمرو وهاشم بن عتبة الذي تذكر الرواية أنه مع أبو عبيدة يقود الرجالة , وصفوان بن أمية , حبيب بن سلمة وغيرهم .أما الجناحان فيضم كل واحد منهم أحد عشر كردوساً كعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل وخالد بن سعيد وعبدالله بن قيس , ومعاوية بن حديج ويزيد بن أبي سفيان والزبير بن العوام .

في حين قسم خالد بن الوليد فرسان المسلمين الذين يطلق عليهم بعض المؤرخين الحرس المتحرك والذين يبلغ عددهم حوالي ألفي فارس , إلى كردوسين أحدهم بإمرة خال بن الوليد نفسه الذي هو المشرف العام على المعركة ويقود الآخر ضرار بن الأزور . ويقال أنه قسم الفرسان إلى أربعة فرق وعين على أحدها قيس بن هبيرة المرادي وقال له (( أنت فارس العرب , وقلَّ من حضرها اليوم يعدلك عندي فاخرج معي في هذا الخيل )) ولعل من أهم الشخصيات التي شهدت المعركة أبو ذر الغفاري , وعمار بن ياسر والفضل بن العباس وعمرو بن معد يكرب أحد أبرز شخصيات العرب وفارس اليمن .

كان الروم قد إختاروا موقعهم وفق أوامر هرقل لقادة جيشه , حين جاءهم كتابه يأمرهم بقوله : (( اجتمعوا لهم , وانزلوا بالروم منزلاً واسع العطن , واسع المُطَّرد , ضيق المهرب )) , وكانت خطة كارثية على هذا الجيش الظيم لأنه في حالة هزيمته سيؤدي إلى استئصاله وإبادته , وهو ما جعل خبير الحرب عمرو بن العاص رضي الله عنه , وهو مشرف على موقع جيش الروم يقول قولته المشهورة (( أيها الناس أبشروا , حصرت والله الروم وقلما جاء محصور بخير )), كان خالد بن الوليد رضي الله عنه يشحذ همم القادة وقال في إجتماعهم (( ... هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا وهذا يوم له ما بعده , إن رددناهم إلى خندقهم لم نزل نردهم , وإن هزمونا لم نفلح بعدها )) .

فوافق جميع القادة الأربعة على دمج الجيوش الخمسة دمجاً تاماً حتى صار جيشاً واحداً , ويرى أحمد عادل كمال في كتابه ( الطريق إلى دمشق ) أن الأمراء الذين بعثهم أبو بكر للشام على قيادة الجيوش أصبحوا يوم اليرموك (( هيئة إدارة عليا للميدان بدليل وجود أسماء أخرى لقيادات الميمنة والميسرة والمشاة )) وقال خالد في اجتماعهم (( إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبية أكثر في رأي العين من الكراديس )) .

وفي صلاة الفجر قرأ أبو عبيدة وهو يؤم المسلمين سورة والفجر وليال عشر وكانت الآية ( إن ربك لبا لمرصاد ) وسورة والشمس وضحاها , إستبشر المسلمين وقال أحدهم ليصبن الله عليهم سوط عذاب وليدمدمن عليهم كما دمدم على هذه القرون من قبلهم .

وما إن إنتهى أبو عبيدة من صلاته حتى التفت إلى المسلمين وقال أيها ألناس أبشروا فإني رأيت في ليلتي هذه فيما يرى النائم كأن رجالاً أتوني فحفوا بي و عليَّ ثياب بيض , ثم دعوا لي رجالاً منكم أعرفهم ثم قالوا لنا , أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم فإنكم الأعلون , وكأن مضينا إلى عسكر عدونا فما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا انفراج الرأس وجئنا حتى دخلنا عسكرهم وولوا مدبرين . فقال الناس أصلحك الله .. هذه بشرى من الله بشرك الله بخير .فقال أبو مرثد الخولاني , وأنا أصلحك الله قد رأيت رؤيا إنها لبشرى من الله , وإني قد رأيت في هذه الليلة ... كأنا خرجنا إلى عدونا فلما توقفنا صب اله عليهم من السماء طيراً بيضاً عظاماً لها مخالب كمخالب الأسد وهي تنقض من السماء انقضاض العقبان , فإذا حازت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخر منها منقطعاً, وكأن الناس يقولون أبشروا معاشر المسلمين فقد أيدكم الله عليهم بالملائكة . تباشر المسلمون بهذه الرؤيا وقال أبو عبيدة : وهذه والله بشرى من الله , فحدثوا بهذه الرؤيا الناس فإن مثلها يشجع المسلم ويحسن ظنه وينشطه للقاء عدوه .

ومنذ ساعات الصباح الأولى جاء الروم يزحفون وهم على تعبئة دينية رفعوا صلبانم يدفون دفيفا وكان لهم صوت كالرعد ودخل ساحة المعركة ثلاثون ألفا كل عشرة الاف ربطوا أنفسهم بالسلاسل يقسمون القتال حتى الموت , فخشي خالد بن الوليد من تأثير ذلك على معنويات المسلمين واتجه بفرسه إلى تلة النساء وقال لهن , يا نساء المسلمين أيما رجل أقبل إليكن منهزماً فاقتلنه . فأخذت النساء الخناجر فهبطن نحو مؤخرة المسلمين . واتجه خالد نحو أبو عبيدة وقال له , ((إن هؤلاء قد أقبلوا بعدد وجد وحد وزجل (أي التطريب بالصوت ) , وإن لهم لشدة لا يردها شيء , وليست خيلي بالكثيرة , ولا والله لا قامت خيلي لشدة خيلهم ورجالهم أبداً . ثم قال قد رأيت أن أفرق خيلي فأكون في إحدى الخيلين وقيس بن هبيرة بالأخرى ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة, فإذا حملوا على الناس فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم , وإن كانت الأخرى حملنا عليهم بخيولنا وهي جامة على ميمنتهم وميسرتهم وقد إنتهت شدة خيلهم وقوتها وتفرقت جماعتهم ونقضوا صفوفهم وصاروا نشرا, ثم نحمل عليهم وهم في ذلك الحال , فأرجو عندها أن يظفرنا الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم وقد رأيت لك أن توقف سعيد بن زيد موقفك هذا ( أي في مقدمة المعركة ) وتقف أنت من ورائه في جماعة حسنة في مائتين أو ثلاثمائة فتكونوا ردءاً للمسلمين . فقال أبو عبيدة إفعل ماراك الله وأنا فاعل ما أردت.

وتقدم خالد بفرسانه ليصبح أمام معسكر قائد الروم الأكبر للمعركة باهان , فخرجت أضعاف خيل خالد أمامه وخرج فارس من أعظم فرسان الروم قوة ومهارة وطلب من المسلمين المبارزة .

عرف خالد بن الوليد أهمية المبارزة الأولى , ومدى وقعها النفسي على المعسكرين , وعلم أن هذا الفارس هو من أكبر فرسانهم جرأة وقوة وثقة بنفسه وإلا لما برز قبل غيره , فقال خالد (( أما لهذا رجل يخرج إليه )) ليخرجن إليه بعضكم أو لأخرجن إليه )) . فخرج عدد من الفرسان فقال خالد لأحدهم (( أنت شيخ كبير وهذا الرومي شاب ولا أحب أن تخرج إليه .. فقف لنا رحمك الله في كتيبتك فإنك ما علمت حسن البلاء عظيم الغناء ) فخرج عمرو بن الطفيل فقال له خالد (( يا بن أخي أنت غلام حديث السن , وأخاف ألا تقوى عليه )) فخرج إليه فارس آخر فقال خالد : ما شئت , ثم سأله هل بارزت رجل قط قبله , قال لا , قال فلا تخرج قال قيس بن هبيرة (( يا خالد كأنك علي تحوط )) . قال له : (( أجل فإني أرجو إن خرجت إليه أن تقتله فإن أنت لم تخرج إليه لأخرجن أنا )) فقال قيس (( بل أنا أخرج إليه )) فخرج نحو الفارس الرومي فضربه على هامته بالسيف فقطع ماعليه من سلاح ( المغفر ) وفلق هامته وسقط الرومي أمام فرسه قتيلا وكبر المسلمون .

وقد كان لفلق هامته أما نظر مئات الآلاف من جيوش الروم أثره النفسي على معنويات كل فرد فيهم .

فصاح خالد : ما بعد ماترون إلا الفتح , احمل عليهم يا قيس , ثم إلتفت إلى فرسانه فقال إحملوا عليهم فواله لا يفلحون وأولهم فارس متعفر بالتراب . فحملت خيل المسلمين على فرسان الروم حتى تراجعوا مذعورين ملتحقين بصفوف مشاتهم , ويرى محمود شاكر أن اليوم الأول شهد مبارزات عديدة بين فرسان المسلمين وفرسان الروم منذ ساعات الصباح الأولى وكان عبدالرحمن بن أبي بكر نجم تلك المبارزة .

فتقدمت مشاة الروم كالجراد المنتشر أو كما قيل أيضاً (( مثل الليل والسيل )) حتى كادوا أن يخالطوا ولكن الجند الرومي وقفوا هيبة وخوفاًمن جند المسلمين حوالي الساعة . فقال خالد : (( قد رجعنا عنهم ولنا الظفر وعليهم الدبرة , فاثبتوا لهم ساعة فإن أقدموا علينا قاتلناهم , وإن رجعوا عنا كان لنا الظفر والفضل عليهم )) . وبعد ساعة هالهم صمود المسلمون وسكوتهم واستعدادهم إلا من ذكر الله والدعاء كل في نفسه , فألقى الله الرعب في قلوبهم وبعد ساعة من المواجهة الصامتة دون قتال , تراجع الروم نحو معسكرهم .

وكان قادة المسلمين يحثون فرقهم كل على حدة , بالصبر والثبات وعد الفرار عند الزحف ومما قاله عمرو بن العاص (( أيها الناس غضوا أبصاركم واجثوا على الركب وأشرعوا الرماح والزموا مراكزكم ومصافكم , فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم وثوب الأسد فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويعاقب عليه ويجزي بالإحسان لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراوقصراً قصرا, فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم , فإنكم لو صدقتموهم الشدة لقد إنذعروا إنذعار أولاد الحجل .)) .

وتتوالى الأحداث التي تزيد من رفع معنويات المسلمين وزعزعة ثقة الروم بأنفسهم , فقد رأى باهان أن يواصل المفاوضات مع جيش المسلمين لأنه مع الكثرة فقد رأى بحادثة الصباح نذير خطر واجتمع مع قادته وقرروا إرسال واحدا من كبار قادة الجيش وأسمه جرجة لطلب استكمال المفاوضات لحقن الدماء , وجاء جرجة قبيل غروب الشمس في يوم المعركة الأول , وأبلغهم بطلب باهان , ولكن حضرت صلاة المغرب فقام المسلمون يصلون , وبعد الصلاة قال خالد لجرجة (( هذا الليل غشينا , ولكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبك إن شاء الله , فارجع إليه فأعلمه ذلك )) ولكن جرجة صعق بمنظر المسلمين وهم يصلون ومكث طويلاً ينظر بصلاتهم ودعائهم , فقال عمرو بن العاص : إن رسولكم هذا الذي أرسل إليكم لمجنون , فقال أبو عبيدة : كلا , أو ما تفطن إلى نظره إلى المسلمين ؟, والله إني لأرجو أن يكون الله قد قذف في قلبه الإيمان وحببه إليه وعرَّفه فضله . ثم جاء جرجة إلى أبو عبيدة فسأله عن الرسول ورأي الإسلام بعيسى وترجم له كلام أبو عبيدة , فسأل عن أول أصحاب أبو عبيدة إسلاماً وسألهم إن كانوا يضمنون له الجنة إن أسلم وقاتل معهم قالوا نضمن لك إن أنت أسلمت ولم تغير حتى تموت , قال فإني أشهدكم أني من المسلمين , وأشاروا عليه بالعودة وكتم إسلامه حتى يخرج من معسكرهم رسول المسلمين لكي لا يظن الروم أنهم حبسوا جرجة .فعاد وقد كتم إسلامه . حيث أعلن إسلامه في اليوم الثاني للمعركة وقاتل مع المسلمين حيث أستشهد في نهاية اليوم الثاني رحمه الله .

كانت معنويات المسلمين مرتفعة للنتائج الباهرة التي نتجت عن المبارزات في بداية المعركة إلى جانب رعب الروم من الإشتباك معهم ثم تراجعهم المخزي قبيل الغروب , ولم تكن كل تلك النتائج على الأرض إلا لتعطي إيماناً بصدق الرؤى التي أعلنت قبيل المعركة ولرأي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم .

في الوقت الذي بدأت ساعات صباح اليوم الثاني قام الروم باندفاع وهجوم قوي جداً على ميمنة جيش المسلمين أي على فرق عمرو بن العاص وتكررت هجماتهم , كان أشدها على الإطلاق هو الهجوم الثالث الذي ربما أرادوا من خلاله دحر ميمنة المسلمين وقد تمكنوا من إحداث الخلل فيها وأجبر عمرو بن العاص على التراجع وكان أشد هجوم للروم قد وقع على على فرقة معاذ بن جبل وهم من الأزد ومذحج وحضرموت وحمير وخولان ورغم ثبات المسلمين وصبرهم إلا أنهم تكاثر عليهم الروم فزالوا عن مواقعهم ولكن بعد لحظات تراجع المسلمون نحو مواقعهم , بيد أن الأزد تلقوا ضربات مؤلمة لم تتلقها فرقة أخرى من جيش المسلمين , وكان أبو هريرة رضي الله عنه من رؤوس الأزد وكان يصيح (( يا مبرور ... فتكاتفت عليه الأزد وهو يقول : تزينوا للحور العين وارغبوا إلى جوار ربكم عز وجل في جنات النعيم , فما أنتم إلى ربكم في موطن من مواطن الخير أحب إليه منكم في هذا الموطن , ألا وان للصابرين فضلهم )) ثم اضطربوا الأزد والروم يقول عبدالأعلى بن سراقة (( فوالذي لا إله إلا هو لرأينا الروم وإنها لتدور بهم الأرض وهم في مجال واحد كما تدور الرحى – يعني يدورون على أنفسهم – فما برحوا ولا زالوا - الأزد – وركبهم من الروم مثل الجبال , فما رأيت موطناً قط أكثر قحفاً- وهو أعلى الجمجمة – ساقطاً أو معصماً نادرا أو كفا طائحة من ذلك الموطن ...وقد أوحلناهم شراً وأوحلونا ...وكان جل القتال في الميمنة وإن القلب ليلقون مثل ما نلقى ...)) وقد حصر الروم ميمنة المسلمين وأجبروها على التراجع نحو قلب جيش المسلمين حتى صارت القلب والميمنة شيئاً واحداً .

وكانت خطة الروم هو دحر المسلمين نحو الجنوب والاستفادة من انحدار الأرض وإجبار المسلمين على التوجه نحو المناطق التي يصعب بها حركتهم بسبب عمق الأودية قرب مصباتها في نهر اليرموك العميق نتيجة لهذا التراجع المستمر ثم حصر المسلمين بين معسكر الروم وبين نهر اليرموك ليسهل عليهم حصدهم هناك , ولكن خيل المسلمين بقيادة خالد بن الوليد ( الحرس المتحرك ) دعموا فرق عمرو , وأجبروا الروم على التراجع نحو ميمنتهم أي باتجاه وادي اليرموك نفسه أي أنهم وقعوا في المصيدة التي كانوا يهيئونها للمسلمين , فركز الروم في هجومهم الرابع على فرق يزيد بن أبي سفيان غير أن خالد بن الوليد عاد وانتقل إليهم بسرعة لدعم يزيد وصد هجومهم وفي حومة القتال ولهيب المعركة تمكن ضرار بن الأزور من قتل أكبر قادة الروم ( ديرجان ) وهو قائد قلب جيوش الروم , وهو يعني أنه أهم قادتهم على الإطلاق بعد ماهان القائد العام لجيوش الروم بالمعركة وهو ثاني أكبر القادة الذي خسرهم الروم في اليومين الأولين من المعركة حيث أسلم جرجة وقاتل في اليوم الثاني مع المسلمين ضد قومه واستشهد في نفس اليوم لذا فقد كانت معنويات المسلمين مع نهاية العمليات العسكرية لليوم الثاني في أوجها رغم الخسائر التي تعرضت لها فرق الميمنة , وعلى العكس من ذلك كانت جيوش الروم التي فقدت خيمة كبار القادة ( غرفة عمليات المعركة إثنين من بين خمسة هم أكبر القادة في معسكر الروم . وهنا صاح خالد بن الوليد بعد أن قام بمجالدة المهاجمين على كثرتهم وإعادتهم نحو واقعهم الأولى وقال ((يا أهل الإسلام , لم يبق عند القوم من الجلد والقتال والقوة إلا م قد رأيتم , فالشدة الشدة فو الذي نفسي بيده ليعطينكم الله الظفر عليهم الساعة , إني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم )) .

في اليوم الثالث ركز الروم على نفس الخطة واستهدفوا ميمنة المسلمين فرق عمرو بن العاص وتخلخلت الميمنة وظهرت بعض الثغرات في صفوف المسلمين , وشدد الروم على الوصول إلى هدفهم في حصر المسلمين نحو وادي اليرموك غير أن فرسان خالد بن الوليد كانت جاهزة للتدخل في الوقت الأنسب فصد الروم وأجبرهم على التراجع إلى حيث مواقعهم .

في اليوم الرابع هجم السلاف ( جند سلوفاكيا اليوم ) على فرق عمرو بينما هجم الأرمن والعرب المتنصرة بقيادة جبلة بن الأيهم على فرق شرحبيل بن حسنة , أما فرق عمرو فقد تراجعت ثم صمدت أمام السلاف وأوقفهم , وقد ساعدت صرخات نساء المسلمين فرقة عمرو بالعودة نحو حومة القتال ولهيبه بعد أن أوصلهم الهجوم الرومي حتى خيام المعسكر فصاحت أخت عمرو بن العاص ( أم حبيبة بنت العاص ) ( قبح الله رجلاً يفر عن حليلته وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته)) وصاحت هند بنت عتبة (( عضدوا الغلفان بسيوفكم )) , وكان عكرمة بن أبي جهل يقول (( قاتلت رسول الله في كل موطن وأفر منكم اليوم ؟! من يبايع على الموت ؟ فبايعه أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم منهم الحارث بن هشام وضرار بن الأزور واستبسلوا أمام فسطاط خالد بن الوليد الذي يبدو أن الروم كانوا قدر ركزوا إحدى هجماتهم مستهدفين خالد بن الوليد رضي اله عنه بشكل شخصي , أما شرحبيل فقد تزلزلت فرق جيشه وتراجعت وكانت من كنانة وقيس , بيد أن خالد دعمهم كما دعم قيس بن هبيرة الميسرة وبعد قتال شديد تمكن المسلمون من دحر الهجوم العام للروم وبدأوا يطورون زحفهم إلى هجوم عام على معسكر الروم وتراجع الروم وتقدم المسلمين , وكان خالد وفرسانه يحصدون بالمتراجعين منهم حصداً حتى أن تلك الجولة من القتال قدر من أفناهم فرسان خالد بين ستة ألاف وعشرة ألاف , وتراجع الباقون في حالة من الفوضى غير أنهم فوجئوا بقدرة النبالة الروم على إصابتهم إصابات دقيقة وفقئت أعين كثير من جند المسلمين بالنبل , وتراجعت فرق يزيد أمام هذا الأمر الجلل , غير أن عكرمة بن أبي جهل ثبت بجانب يزيد , ولكن الصدمة التي أحدثتها دقة إصابات نبالة الروم على معسكر المسلمين جعل الروم يطورون هجوما جديدا أدى إلى تراجع خطير لجيوش المسلمين , حتى نهاية العمليات العسكرية في ذلك اليوم .

في اليوم الخامس من المعركة خرج ثالث أكبر القادة الروم واسمه غريغوري قائد ميمنة الروم وطلب من المسلمين المبارزة , فخرج له أبو عبيدة رضي الله عنه وتمكن من قتله مع بداية عمليات ذلك اليوم ليخسر الروم مع صباح ذلك اليوم ثلاثة من أكبر قادتهم ولم يتبق إلا اثنين فقط وهو ما يعني تدمير معنويات جند الروم وارتفاع معنويات المسلمين رغم جراحهم وقسوة أحداث المعركة وأهوالها , وهنا قام خالد بن الوليد بأهم قراراته الحربية على الإطلاق إذ ركز هجوم المسلمين على ميسرة الروم بهجوم قوي واسع ودعم الهجوم بمساندة قوة الفرسان التي يقودها بنفسه , مستفيداً من تحييد قوة الفرسان الروم بشكل نهائي من المعركة , مستخدما الأهداف ذاتها التي سعى إليها الروم في الأيام الفائتة , وتمكن من حصر وحشر ميسرة الروم نحو ميمنتهم باتجاه وادي اليرموك , كما لاحق خيول الروم التي فرت أمامه مولية الأدبار نحو المنطقة الوعرة في الشمال الغربي فتأذت حوافرها وقوائمها ولم تصبح قادرة على مواصلة القتال , ويرى البعض أن هذاالهجوم الرومي في اليوم الخامس قد شمل الفرسان الروم مع مشاتهم وان فرسان الروم قد شقوا معسكر المسلمين أو إلتفوا حوله وحين كسر هجوم الروم وفشل مشاتهم عن تحقيق أهدافهم وتراجعوا بذعر وجدت فرسان الروم أن خيولهم قد تضررت وأنها غير قادرة على مواصلة القتال فضلاً عن شق صفوف المسلمين عائدين نحو معسكر الروم فأطلقوا ا لأعنة لخيولهم عبر الصحراء منهزمين تاركين المشاة لمصيرهم , وبهذا فقد أخرج خالد بن الوليد القوة الرئيسية الضاربة في جيش الروم خارج المعركة وقد كان بقدرته مواجهتهم ولكنه حين رأى أنهم متجهين نحو الصحراء خارج المعركة منهزمين فتح لهم الطريق – حسب رواية الطبري - ولم يقاتلهم معتبراً أن هروبهم عامل حسم للمعركة , وفيما يبدو أن هذا الحدث كما يرى البعض قد وقع قبيل نهاية اليوم الرابع بينما يرى البعض أنه وقع في صباح اليوم الخامس ولعل قرار قائد فرسان الروم الإنهزامي هو الذي قرر مصير المعركة وسمح للجيش الإسلامي من حسم المعركة.

اشتد بعدها هجوم المسلمين وتمكنوا من دفع السلاف نحو الجنوب الغربي , حيث جعل مثل هذا التراجع كارثة حقيقية للجيش الرومي قاطبة , إذ أصبح الروم يتراجعون نحو الوادي وبدأ المسلمين فوقهم يسوقونهم نحو التقاء وادي اليرموك بنهر اليرموك فحصروا هناك حصارا لا مخرج لهم منه , في ذلت الوقت أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه فرقة من الخيل قوامها خمسمائة فارس بقيادة ضرار بن الأزور نحو وادي العلان وأمره أن يقترب من وادي الرقاد ثم يسير خلف جيوش الروم ويرابط عند مخاضة ( كفر ألما ) التي تكون عند التقاء الوادي مع أحد روافده وأن يعمل على منع الروم الفارين منها , ويعمل خالد بن الوليد في كل الاتجاهات فيرسل مجموعة من الفرسان لتخريب حوض مياه الشربالذي بني عند (عين دكر ) كي تزيد المياه المتدفقة من الحوض من زيادة منسوب المياه عند المخاضة ( كفر ألما ) فتساعد على إعاقة سرعة فرار الروم بسبب المياه والأوحال في تلك المخاضة .

إشتد الهجوم الإسلامي ضراوة وأمر أبو عبيدة المسلمين بالشد على الروم مهاجمين جيش الروم من الأجناب مما ألقى الرعب في قلوبهم فشدوا وكبروا (( وصكوهم صكة واحدة طعناً بالرماح وضرباً بالسيوف حتى ولُّوا ظهورهموأكتافهم )) فصاح أبو سفيان رضي الله عنه (( يا نصر الله اقترب الثبات الثبات يا معشر المسلمين )) وبدأ التراجع لجيش الروم بشكل متزاحم في تلك المنطقة التي حصروا بها والتي لم تعد تكفي لتلك الأعداد التي تراجعت إليها ,(( وأقبل خالد بن الوليد والمسلمون عليهم ففضوهم فكأنما هدم بهم حائط , وتراجعوا فاقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم ودفعهم إلى الواقوصة ...حتى هوى فيها المقترنون بالسلاسل ... فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من طارت نفسه من الخوف فيهوي الواحد بالعشرة )) وأصبحوا على شفا وادي اليرموك السحيق ووادي الرقاد العميق وهو ما لا يمكن عبوره ولكن التزاحم والقتل جعل الكثيرين من جنود الروم يلقون بأنفسهم أو ربما يدفعون قسراً بفعل التزاحم نحو السقوط بهذه الأودية فيجدون الموت بهذا السقوط , وكانت أشد الخسائر البشرية لجيوش الروم سببها ربط عشرات الجنود بالسلاسل , فكل عشرة مربوطين مع بعضهم البعض لكي يمنعوهم ربما من الفرار من المعركة , ولكن إذا ألقى أحدهم بنفسه أو سقط مرغماً سحب معه بقية المربوطين معه بالسلسلة ذاتها , وعرفت تلك المنطقة بـ (هوة الواقوصة ) ففرت الخيل مع المخاضة فما إن يخرج الفارس الرومي منها حتى يجد ضرار بن الأزور وفرقته بانتظارهم فحصدوهم حصداً , وهكذا في الثلث الأخير من اليوم الخامس للمعركة كان جيش الروم يتم استئصال شأفته فبين قتيل أو غريق أو جريح أو فار من المعركة , وتهافت بالواقوصة حوالي 120000 مائة وعشرون ألف من الروم منهم 80,000 مقترن بالسلاسل و 40,000 مطلق غير من قتل بالمعركة من الرجال , لقد كلنت نصيحة هرقليوس لقائد جيشه باختيار أرض المعركة بمثل هذه الأرض مهلكة لكامل جيشه ما عدا الفرسان الذين تفرقوا بالبلاد : (( انزلوا بالروم منزلاً واسع العطن واسع المطرد ضيق المهرب )) .وهو ما توقعه عمرو بن العاص حين رأى الروم محصورين بين الأودية وبين جيش المسلمين (( أبشروا فقد حصرت الروم وقلما جاء محصور بخير )) .

أظلم الليل والقتال مستعر , ونام المسلمين وهم لم يعلموا أن جيش عدوهم قد تم استئصاله على أيديهم ليلة البارحة وحين أصبحوا لم يجدوا عدواً فخشي المسلمين أن عدوهم قد أعد لهم كميناً فجالت خيل المسلمين وسألوا الرعاة بالمنطقة فأبلغوهم أن الأكثرية سقطوا بالواقوصة عدا أربعين ألف غادروا المنطقة ليلاً نحو شمال سوريا .

ولحق بهم خالد بخيل المسلمين وأعاد المواثيق مع دمشق وحمص ومكث ينتظر أوامر أبو عبيدة رضي الله عنهم الذي أبلغ عمر رضي الله عنه بالفتح وبمطاردة الروم وطردهم من أقاصي الشام (( ثم إني أتبعتهم بالمسلمين حتى بلغت أقاصي الشام , وقد بعثت إلى أهل الشام عمالي )) ثم أبلغ امير المؤمنين بأن الهدف التالي للفتح هو القدس .

أما هرقليوس فقد كان بأنطاكية فقد أمر بقتل القادة المنهزمين الذين كانوا قد عارضوه بالصلح مع المسلمين وقال قولته المشهورة (( وداعاً سوريا وداعا لا لقاء بعده ...)) .

لقد كانت معركة اليرموك من المعارك الفاصلة بالتاريخ والتي يمتد آثارها على الشعوب والديانات لآلاف السنين , لقد إنقطعت آمال بيزنطة نهائيا من استرجاع بلاد الشام وظلت راية الإسلام ترفرف منذ ذلك التاريخ على كل أصقاعه , وتمكن العرب بقيادة أبو عبيدة ليس فقط من استعادة البلدان التي احتلتها جيوش هرقل فحسب , بل لقد كان إعادة احتلالها بدون مشقة , وهكذا سهل تحديد المسلمين لحدودهم مع بيزنطة على حدود آسيا الصغرى مع الشام عند جبال طوروس , والإلتفات نجو فلسطين ومصر وأفريقية , لقد كانت معركة اليرموك أكثر من مجرد معركة كبرى , لقد تجلت فيها صراع الديانات والحضارات فكراً وديناً وحتى نواحي الفنون والخطط العسكرية لحضارتين قدر لهما أن يشغلا التاريخ صراخاً وقعقعة للسلاح منذ معركة مؤتة ومرورا باليرموك وحتى حروب بوش الأخيرة في بلاد المسلمين

ابوبندر
21-09-2006, 07:53 PM
مشكور أخي الكريم

أبو يزن
22-09-2006, 02:10 AM
مشكور أخي أبو الوليد

إنها معركة خالدة
تمتعت بقراءتها في حوالي ساعة كاملة

أبوجواد
22-09-2006, 02:33 PM
جزاك الله خيراً وبارك فيك

الزاحف
22-09-2006, 09:17 PM
لاهنت ما قصرت

ابوالوليد
06-11-2006, 04:08 PM
أبوبندر ... أبويزن ... ابوجواد ... الزاحف


شكراً لتشريفكم الموضوع