القويع
22-06-2005, 07:16 PM
هذا الموضوع لفضيلة الشيخ صالح بنحميد
إن الصبيان والصغار والعابثين يرمون عالي الشجر من أجل إسقاط يانع الثمر، وبلادنا وديارنا كنز الكنوز بدينها ومقدساتها، وثروة الثروات في قيمها ورجالها، وإنها لعالية القدر في مقامها، ويانعة الثمر في منجزاتها، وبساط الأمن الممدود يستفز قلق المرجفين، والقوة والتماسك بيننا يزعجان نفوس الطامعين والحاقدين، والاعتماد على رب هذا البيت يرد عنا كيد الكائـديـن، وحفـظ الله -ثم حكمة ولاة الأمر فينا- يخيبان ظنون المتربصين.
هذه البلاد قاعدة الإسلام، وحصن الإيمان، ومعقل الدعوة، تنزل القرآن في عرصاتها، والرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- بعث من بطاحها، دولة تلتزم بالإسلام، تأخذه في عقيدتها وتترسمه في تشريعها، وترفعه في رايتها: ((لا إله إلاّ الله محمد رسول الله)) تأخذه أخذ تشريف، وتكليف، شرفها ربها بالولاية على الحرمين الشريفين وأكرمها وأعزها بخدمتهما ورعايتهما.
{ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}.
وعلى الرغم من جلاء هذه المفاخر، وبروز هذه النعم، وثبات هذه المبادئ، فإن هذه البلاد ليست بدعًا من بلاد العالم ودياره، فهي تبتلى كما يبتلى غيرها في عالم واسع، تقارب وانحصر بتشابك اتصالاته، وتنوع مواصلاته، وتعدد وسائل إعلامه وفضائياته وشبكات معلوماته، إنها ليست بمعزل عن العالم، وحوادث التفجير الآثم التي وقعت في مدينة الرياض عاصمة البلاد الغالية نوع من هذا الإجراء والابتلاء الذي يتسم بالتخطيط وتوزيع المهمات.
يقال ذلك ليس اســتســلامًا للمعتدين، ولا عجزًا عن اتخاذ المواقف الصارمة الحاسمة، ولكنه تقرير واقع، وبيان موقف نحو من يقترفها ويروجها، ويربي عليها أفرادًا وجماعات يريد أن يجعلها بقوة الثوابت والمعتقدات.
***
إن الامتحان الحقيقي والبراعة الفائقة ليسا في وقوع حوادث العنف المدبرة المدمرة فهذا شيء لا يستبعد في أي زمان أو مكان وعلى أي شعب أو منطقة ولكن البراعة والامتحان يكمنان في مواجهة النتائج، وصحة المواقف وأثر ذلك كله على الناس والمجتمع.
وذلك يحتاج إلى وقفات وتأملات:
فأول هذه الوقفات والمواقف تجريم الحدث، فهو اعتداء وعدوان، وقتل وترويع وتدمير وخراب وإزهاق لنفوس محترمة وسفك لدماء معصومة، إنه مسلك رخيص فاضح لكل من يحترم آدميته وإنسانيته، فضلاً عن أن يحترم دينه وأمانته، وهو شذوذ وعدوان وإجرام دافعه استبطان أفكار مضللة، وآراء ضالة، ومبادئ منحرفة في خطوات تائهة، ومفاهيم مغلوطة، أي قبول لناشري الفوضى ومهدري الحقوق ومرخصي الدماء والنفوس، وقد جمع هؤلاء -والعياذ بالله- بين قتل النفوس المحرمة وقتل أنفسهم، وفي الحديث الصحيح: «لايزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»، وفي التنزيل العزيز: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرا}.
ومن بعد ذلك وقفة مع الإرهاب في معناه ومفهومه.
الإرهاب كلمة وسلوك يتوجه إلى تخويف الناس بالقتل والخطف والتخريب والنسف والتدمير والسلب والغصب والزعزعة والترويع والسعي في الأرض بالفساد والإفساد، وهو إزهاق للأرواح وإراقة للدماء المعصومة بغير سبب مشروع.
إن أساليب العنف ومسالكه من تفجير وتدمير وسطو ونسف لا تهزم القيم الكبيرة ولا تقوض المنجزات السامقة، ولا تحرر شعبًا، ولا تفرض مذهبًا، ولا تنصر حزبًا، إن العنف والإرهاب لا يمكن أن يكونا قانونًا أو مسلكًا مقبولاً فضلاً عن أن يكونا عقيدة أو دينًا.
إن العنف والإرهاب لا يحملان مشروعًا غير التخريب والإفساد.
فالعنف لم يفلح في أي مكان من العالم في تحقيق أهدافه، بل إنه يقضي على أصحابه، ولن يغير سياسة، ولن يكسب تعاطفًا، بل يؤكد الطبيعة العدوانية والروح الدموية للتوجهات الفكرية لأصحابه.
والإرهاب لا يعرف وطنًا ولا جنسًا، ولا زمانًا ولا مكانًا، والمشاعر والعقائد كلها تلتقي على استنكاره ورفضه والبراءة منه ومن أهله، ومن ثم فإنه يبقى علامة شذوذ ودليل انفراد وانعزالية.
والإرهاب يورث عكس مقصود أصحابه، فيقوي التماسك الشرعي والسياسي والاجتماعي في الأمة المبتلاة، والمجتمع لن يسمح لحفنة من الشاذين أن تملي عليه تغيير مساره، أوالتشكيك في مبادئه ومسلماته.
***
وهنا تأتي الوقفة الأخرى ذلك أن الناظر والمتأمل ليقف هذه الوقفة الواحدة التي وقفتها الأمة ضد هذا التصرف المشين والعمل الإجرامي الآثم، لقد وقفت الأمة صفًا واحدًا خلف قيادتها وولاة أمرها تستنكر هذا العمل وتدينه، ولا تقبل فيه أي مسوغ أو مبرر، وتتبرأ من فاعليه، والأمة مؤمنة بربها متمسكة بدينها مجتمعة حول ولاة أمرها محافظة على مكتسباتها، وكلنا -بإذن الله- حراس للعقيدة حماة للديار غيارى على الدين، غيارى على الحرمات، فيجب على كل من علم عن أحد يقوم بأعمال تخريبية أن يبلغ عنه ولا يجوز التستر عليه، كما أننا جزء من هذا العالم نسهم في بنائه على الحق والعدل ونحافظ على منجزات الخير فيه لصالح الإنسانية وسلامتها حسب توجيهات شرع ربنا، وهذه البلاد لن تهتز -بإذن الله- من أي نوع من التهديد أو الابتزاز الذي يحاول النيل من ثوابتها الإسلامية وسياستها وسيادتها، وإن الأمة والدولة واثقة من خطوها ثابتة على نهجها في شجاعة وصبر وحلم وتوازن، وبعد في النظر والرؤية وهذا هو محل الوقفة التالية.
إن كيان هذه الدولة قام واستقام على قواعد ثابتة وأصول راسخة من الدين والخبرة والعلم والعمل، جهود جبارة في التأسيس والبناء لا يمكن هزمها فضلاً عن تقويضها بمثل هذه التصرفات غير المسؤولة، إنه كيان دولة يعكس نهج أهله في الجمع بين المحافظة على دين الله في عقائده وشعائره وبين ما يتطلبه الوقت من تحديث مشروع في التربية والتعليم والاقتصاد والاجتماع والتخطيط وصنع القرار.
إن دولة هذا شأنها وهذه خصائصها لايصلح لها ولا يناسبها الخلط بين الإسلام الحق وبين الانحراف باسم الإسلام، كما لا تقبل أن يضرب الإسلام أو ينتقص بحجة وجود بعض الغلاة، إن منهجها وقف السلوك الشاذ ليبقى الإسلام الحق الأقوم، وهذه الأحداث تبقى في دائرة شذوذها، وليطمئن أهل البلاد والمقيمون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وحقوقهم.
وأهل هذه البلاد وكل محب لها يتطلعون إلى المزيد من الاستمساك بدين الله والمزيد من الدعم للدين وأهله وعلم الشرع ورجاله والحسبة وهيئتها وكل عامل مخلص من أي موقع وفي أي مرفق في شأن المجتمع كله.
***
وثمة وقفة أخرى يحملها ويتحملها أهل العلم والرأي هي أننا نحتاج إلى فتح أبواب الحوار الصريح الشفاف يقوده علماؤنا في حوار حضاري بناء، إن العدل في الحوار يتطلب شفافية ومصارحة وصدقية من جميع الأطراف حتى تصل الأمة جميعها بأبنائها إلى ساحة الأمن الفكري الوسط في التدين والمنهج والخطاب، والمسؤولية في ذلك كبيرة. إنها توعية الناشئة وتبصيرهم بما يحميهم من التخبط في أوحال الدعوات المضللة والعصابات المنحرفة.
ينبغي ألا تضيق صدور العلماء الأجلاء بأسئلة السائلين مهما تكن في نوعيتها ومظهرها وأسلوبها ودلالتها حتى يزول اللبس عن الأذهان ويرتفع الحرج من النفوس ويكون التقارب والقبول والاستيعاب وليتسلح أهل العلم بسلاح الصبر في الإفهام من أجل تنقية العقول من اللوث وغسل الأفكار من الدرن.
لابد من توسيع دائرة الاتصال والثقة المتبادلة بين الناشئة والعلماء والمربين والموجهين والبعد عن التجهم لأسئلتهم، أو تجاهل استفساراتهم مهما بدا من غرابتها أو سذاجتها أو سطحيتها أو خشونتها أو خروجها عن المألوف، فالأمور لا تعالج بالازدراء والتنقص والتهوين من الأحداث أو الأشخاص، كما لا تعالج بالتسفيه والهجوم المباشر من غير إظهار جلي للحجة والخوض في أعماق المشكلة، والشباب إذا ابتعد عن العلم الصحيح والعلماء الراسخين ولم يتبين له رؤية واعية تتزاحم في فكره خطوات نفسية وسوانح فكرية يختلط عنده فيها الصواب بالخطأ والحق بالباطل.
لابد أن تتسع الصدور للحوار الهادئ وقبول النقد الهادف واستيعاب الآراء واحترامها.
***
يجب الاهتمام بالناشئة والشباب وتلمس احتياجاتهم وهمومهم واهتماماتهم، فليس همهم مقصورًا على رياضة أو ترويح بريء فحسب ولكنه الاهتمام بصلاح المعتقد وسلامة الفكر وإشباع الرغبات في الإبداع والثقافة الصحيحة، وصنوف المناشط للأعمال التي يتطلع إليها ويتوق إليها في ضوابطه الشرعية.
ومن بعد علماء الشرع يأتي المفكرون في هذه البلاد والمثقفون فلهم رسالتهم الخاصة والمنيرة المتميزة تنبع من انتسابهم لدين الله ومبادئه وخصوصية الدولة في الحكم والتحاكم، ونظام الدولة ورعاية الحرمين الشريفين، وقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه المبادئ الراسخة التي تقوم عليها وتتبناها وتعتز بها وتفاخر، هذا كله يدعو الأخوة المثقفين والمفكرين إلى النظر في مصادر التلقي من أجل تنقيتها مما يتعارض مع شرع الله ليبقى ماينفع الناس ويذهب الزبد جفاء.
نعم، فعلى الرغم من قوة تمسكنا بثوابتنا وصلابتنا في ديننا بحول الله وقوته فإننا نسير في طريق الإصلاح ونقد الذات ومراجعة شأننا كله من الولاء لله ولرسوله ثم لولاة أمرنا.
إن التوجه المستنير المحترم لابد فيه من اجتناب الخلط بين الإسلام الحق ومفاهيم التنطع والغلو التي تمنع نشر العلم الصحيح والفهم المستقيم ويعالج بكلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم السلف الصالح، حفظ الله على هذه البلاد دينها وأمنها ورد عنها كيد الكائدين وحقد الحاقدين وزادها تمسكاً واجتماعًا واتحادًا وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان إنه سميع مجيب.
***
وأخيرًا فإنه ليس من الموضوعية ولامن الإنصاف القول بأن مناهج التعليم ووسائل الدعوة هي السبب في انحراف بعض الشباب، فالمناهج والدعوة تطبق وتمارس منذ قيام هذه الدولة المباركة، تخرج منها كل من يسير على أرض هذه البلاد من شباب وكهول وبنين وبنات من علماء ومفكرين وأطباء ومهندسين ومثقفين ومؤرخين على مختلف الميول والثقافات والأطياف الفكرية، فلماذا تخص قلة بعينها بأنها وحدها المتأثرة بالمناهج.
إن ما تعيشه بعض الفئات من غلو أو جفاء هو شيء حديث النشأة وليد الحدوث، ولكن السؤال الذي ينبغي إثارته لماذا اختلفوا في اتجاهاتهم الفكرية والثقافية مع أنهم درسوا منهجًا واحدًا؟ والجواب أن هناك مؤثرًا غير المناهج أنتج غلوًا لدى فئات كما أنتج جفاء لدى فئات أخرى، والسؤال مرة أخرى ما الذي أدى إلى اختلاف الرؤى والاتجاهات؟ والإجابة عن هذا السؤال كبيرة وواسعة، وهذا هو الذي يجب أن يبحث فيه وتوجه له مراكز البحوث وعقول العلماء والمفكرين جهودها لتفسيره بموضوعية.
إننا مطمئنون -بإذن الله- أن بلادنا موطن المروءة ورجاحة العقل وأصالة الرأي والقاعدة الصلبة في الأمن والاستقرار والثقة، وإن هذه الأعمال المجرمة الآثمة لن تؤثر -بإذن الله وحوله وقوته- على استقرار بلادنا وازدهارها، فلسنا وحدنا من يتعرض لهذه الأعمال الإرهابية الإجرامية.
ولهذا يجب ألاّ نبالغ في التحليل فنظن أن هذه الفئة الضالة الشاذة قادرة على تقويض أسس مجتمعنا والراسخ من ثوابتنا في ديننا وقيمنا.. كلا-بإذن الله- مع وجوب التصدي لها والوقوف صفًا واحدًا في رفضها ومقاومتها ورد الشاذين إلى جادة الصواب.
وبعد فليهنأ أهل الفضل والصلاح بدينهم في ديار المقدسات ولتهنأ الدولة -حفظها الله- برجالها الفضلاء والعقلاء ولتطمئن الأمة -بإذن الله- إلى وعي ولاة الأمور وتفطنهم ووعيهم في مثل هذه المواقف.
اللهم احفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة من كل شر، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها إنك سميع مجيب.
إن الصبيان والصغار والعابثين يرمون عالي الشجر من أجل إسقاط يانع الثمر، وبلادنا وديارنا كنز الكنوز بدينها ومقدساتها، وثروة الثروات في قيمها ورجالها، وإنها لعالية القدر في مقامها، ويانعة الثمر في منجزاتها، وبساط الأمن الممدود يستفز قلق المرجفين، والقوة والتماسك بيننا يزعجان نفوس الطامعين والحاقدين، والاعتماد على رب هذا البيت يرد عنا كيد الكائـديـن، وحفـظ الله -ثم حكمة ولاة الأمر فينا- يخيبان ظنون المتربصين.
هذه البلاد قاعدة الإسلام، وحصن الإيمان، ومعقل الدعوة، تنزل القرآن في عرصاتها، والرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- بعث من بطاحها، دولة تلتزم بالإسلام، تأخذه في عقيدتها وتترسمه في تشريعها، وترفعه في رايتها: ((لا إله إلاّ الله محمد رسول الله)) تأخذه أخذ تشريف، وتكليف، شرفها ربها بالولاية على الحرمين الشريفين وأكرمها وأعزها بخدمتهما ورعايتهما.
{ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}.
وعلى الرغم من جلاء هذه المفاخر، وبروز هذه النعم، وثبات هذه المبادئ، فإن هذه البلاد ليست بدعًا من بلاد العالم ودياره، فهي تبتلى كما يبتلى غيرها في عالم واسع، تقارب وانحصر بتشابك اتصالاته، وتنوع مواصلاته، وتعدد وسائل إعلامه وفضائياته وشبكات معلوماته، إنها ليست بمعزل عن العالم، وحوادث التفجير الآثم التي وقعت في مدينة الرياض عاصمة البلاد الغالية نوع من هذا الإجراء والابتلاء الذي يتسم بالتخطيط وتوزيع المهمات.
يقال ذلك ليس اســتســلامًا للمعتدين، ولا عجزًا عن اتخاذ المواقف الصارمة الحاسمة، ولكنه تقرير واقع، وبيان موقف نحو من يقترفها ويروجها، ويربي عليها أفرادًا وجماعات يريد أن يجعلها بقوة الثوابت والمعتقدات.
***
إن الامتحان الحقيقي والبراعة الفائقة ليسا في وقوع حوادث العنف المدبرة المدمرة فهذا شيء لا يستبعد في أي زمان أو مكان وعلى أي شعب أو منطقة ولكن البراعة والامتحان يكمنان في مواجهة النتائج، وصحة المواقف وأثر ذلك كله على الناس والمجتمع.
وذلك يحتاج إلى وقفات وتأملات:
فأول هذه الوقفات والمواقف تجريم الحدث، فهو اعتداء وعدوان، وقتل وترويع وتدمير وخراب وإزهاق لنفوس محترمة وسفك لدماء معصومة، إنه مسلك رخيص فاضح لكل من يحترم آدميته وإنسانيته، فضلاً عن أن يحترم دينه وأمانته، وهو شذوذ وعدوان وإجرام دافعه استبطان أفكار مضللة، وآراء ضالة، ومبادئ منحرفة في خطوات تائهة، ومفاهيم مغلوطة، أي قبول لناشري الفوضى ومهدري الحقوق ومرخصي الدماء والنفوس، وقد جمع هؤلاء -والعياذ بالله- بين قتل النفوس المحرمة وقتل أنفسهم، وفي الحديث الصحيح: «لايزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»، وفي التنزيل العزيز: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرا}.
ومن بعد ذلك وقفة مع الإرهاب في معناه ومفهومه.
الإرهاب كلمة وسلوك يتوجه إلى تخويف الناس بالقتل والخطف والتخريب والنسف والتدمير والسلب والغصب والزعزعة والترويع والسعي في الأرض بالفساد والإفساد، وهو إزهاق للأرواح وإراقة للدماء المعصومة بغير سبب مشروع.
إن أساليب العنف ومسالكه من تفجير وتدمير وسطو ونسف لا تهزم القيم الكبيرة ولا تقوض المنجزات السامقة، ولا تحرر شعبًا، ولا تفرض مذهبًا، ولا تنصر حزبًا، إن العنف والإرهاب لا يمكن أن يكونا قانونًا أو مسلكًا مقبولاً فضلاً عن أن يكونا عقيدة أو دينًا.
إن العنف والإرهاب لا يحملان مشروعًا غير التخريب والإفساد.
فالعنف لم يفلح في أي مكان من العالم في تحقيق أهدافه، بل إنه يقضي على أصحابه، ولن يغير سياسة، ولن يكسب تعاطفًا، بل يؤكد الطبيعة العدوانية والروح الدموية للتوجهات الفكرية لأصحابه.
والإرهاب لا يعرف وطنًا ولا جنسًا، ولا زمانًا ولا مكانًا، والمشاعر والعقائد كلها تلتقي على استنكاره ورفضه والبراءة منه ومن أهله، ومن ثم فإنه يبقى علامة شذوذ ودليل انفراد وانعزالية.
والإرهاب يورث عكس مقصود أصحابه، فيقوي التماسك الشرعي والسياسي والاجتماعي في الأمة المبتلاة، والمجتمع لن يسمح لحفنة من الشاذين أن تملي عليه تغيير مساره، أوالتشكيك في مبادئه ومسلماته.
***
وهنا تأتي الوقفة الأخرى ذلك أن الناظر والمتأمل ليقف هذه الوقفة الواحدة التي وقفتها الأمة ضد هذا التصرف المشين والعمل الإجرامي الآثم، لقد وقفت الأمة صفًا واحدًا خلف قيادتها وولاة أمرها تستنكر هذا العمل وتدينه، ولا تقبل فيه أي مسوغ أو مبرر، وتتبرأ من فاعليه، والأمة مؤمنة بربها متمسكة بدينها مجتمعة حول ولاة أمرها محافظة على مكتسباتها، وكلنا -بإذن الله- حراس للعقيدة حماة للديار غيارى على الدين، غيارى على الحرمات، فيجب على كل من علم عن أحد يقوم بأعمال تخريبية أن يبلغ عنه ولا يجوز التستر عليه، كما أننا جزء من هذا العالم نسهم في بنائه على الحق والعدل ونحافظ على منجزات الخير فيه لصالح الإنسانية وسلامتها حسب توجيهات شرع ربنا، وهذه البلاد لن تهتز -بإذن الله- من أي نوع من التهديد أو الابتزاز الذي يحاول النيل من ثوابتها الإسلامية وسياستها وسيادتها، وإن الأمة والدولة واثقة من خطوها ثابتة على نهجها في شجاعة وصبر وحلم وتوازن، وبعد في النظر والرؤية وهذا هو محل الوقفة التالية.
إن كيان هذه الدولة قام واستقام على قواعد ثابتة وأصول راسخة من الدين والخبرة والعلم والعمل، جهود جبارة في التأسيس والبناء لا يمكن هزمها فضلاً عن تقويضها بمثل هذه التصرفات غير المسؤولة، إنه كيان دولة يعكس نهج أهله في الجمع بين المحافظة على دين الله في عقائده وشعائره وبين ما يتطلبه الوقت من تحديث مشروع في التربية والتعليم والاقتصاد والاجتماع والتخطيط وصنع القرار.
إن دولة هذا شأنها وهذه خصائصها لايصلح لها ولا يناسبها الخلط بين الإسلام الحق وبين الانحراف باسم الإسلام، كما لا تقبل أن يضرب الإسلام أو ينتقص بحجة وجود بعض الغلاة، إن منهجها وقف السلوك الشاذ ليبقى الإسلام الحق الأقوم، وهذه الأحداث تبقى في دائرة شذوذها، وليطمئن أهل البلاد والمقيمون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وحقوقهم.
وأهل هذه البلاد وكل محب لها يتطلعون إلى المزيد من الاستمساك بدين الله والمزيد من الدعم للدين وأهله وعلم الشرع ورجاله والحسبة وهيئتها وكل عامل مخلص من أي موقع وفي أي مرفق في شأن المجتمع كله.
***
وثمة وقفة أخرى يحملها ويتحملها أهل العلم والرأي هي أننا نحتاج إلى فتح أبواب الحوار الصريح الشفاف يقوده علماؤنا في حوار حضاري بناء، إن العدل في الحوار يتطلب شفافية ومصارحة وصدقية من جميع الأطراف حتى تصل الأمة جميعها بأبنائها إلى ساحة الأمن الفكري الوسط في التدين والمنهج والخطاب، والمسؤولية في ذلك كبيرة. إنها توعية الناشئة وتبصيرهم بما يحميهم من التخبط في أوحال الدعوات المضللة والعصابات المنحرفة.
ينبغي ألا تضيق صدور العلماء الأجلاء بأسئلة السائلين مهما تكن في نوعيتها ومظهرها وأسلوبها ودلالتها حتى يزول اللبس عن الأذهان ويرتفع الحرج من النفوس ويكون التقارب والقبول والاستيعاب وليتسلح أهل العلم بسلاح الصبر في الإفهام من أجل تنقية العقول من اللوث وغسل الأفكار من الدرن.
لابد من توسيع دائرة الاتصال والثقة المتبادلة بين الناشئة والعلماء والمربين والموجهين والبعد عن التجهم لأسئلتهم، أو تجاهل استفساراتهم مهما بدا من غرابتها أو سذاجتها أو سطحيتها أو خشونتها أو خروجها عن المألوف، فالأمور لا تعالج بالازدراء والتنقص والتهوين من الأحداث أو الأشخاص، كما لا تعالج بالتسفيه والهجوم المباشر من غير إظهار جلي للحجة والخوض في أعماق المشكلة، والشباب إذا ابتعد عن العلم الصحيح والعلماء الراسخين ولم يتبين له رؤية واعية تتزاحم في فكره خطوات نفسية وسوانح فكرية يختلط عنده فيها الصواب بالخطأ والحق بالباطل.
لابد أن تتسع الصدور للحوار الهادئ وقبول النقد الهادف واستيعاب الآراء واحترامها.
***
يجب الاهتمام بالناشئة والشباب وتلمس احتياجاتهم وهمومهم واهتماماتهم، فليس همهم مقصورًا على رياضة أو ترويح بريء فحسب ولكنه الاهتمام بصلاح المعتقد وسلامة الفكر وإشباع الرغبات في الإبداع والثقافة الصحيحة، وصنوف المناشط للأعمال التي يتطلع إليها ويتوق إليها في ضوابطه الشرعية.
ومن بعد علماء الشرع يأتي المفكرون في هذه البلاد والمثقفون فلهم رسالتهم الخاصة والمنيرة المتميزة تنبع من انتسابهم لدين الله ومبادئه وخصوصية الدولة في الحكم والتحاكم، ونظام الدولة ورعاية الحرمين الشريفين، وقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه المبادئ الراسخة التي تقوم عليها وتتبناها وتعتز بها وتفاخر، هذا كله يدعو الأخوة المثقفين والمفكرين إلى النظر في مصادر التلقي من أجل تنقيتها مما يتعارض مع شرع الله ليبقى ماينفع الناس ويذهب الزبد جفاء.
نعم، فعلى الرغم من قوة تمسكنا بثوابتنا وصلابتنا في ديننا بحول الله وقوته فإننا نسير في طريق الإصلاح ونقد الذات ومراجعة شأننا كله من الولاء لله ولرسوله ثم لولاة أمرنا.
إن التوجه المستنير المحترم لابد فيه من اجتناب الخلط بين الإسلام الحق ومفاهيم التنطع والغلو التي تمنع نشر العلم الصحيح والفهم المستقيم ويعالج بكلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم السلف الصالح، حفظ الله على هذه البلاد دينها وأمنها ورد عنها كيد الكائدين وحقد الحاقدين وزادها تمسكاً واجتماعًا واتحادًا وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان إنه سميع مجيب.
***
وأخيرًا فإنه ليس من الموضوعية ولامن الإنصاف القول بأن مناهج التعليم ووسائل الدعوة هي السبب في انحراف بعض الشباب، فالمناهج والدعوة تطبق وتمارس منذ قيام هذه الدولة المباركة، تخرج منها كل من يسير على أرض هذه البلاد من شباب وكهول وبنين وبنات من علماء ومفكرين وأطباء ومهندسين ومثقفين ومؤرخين على مختلف الميول والثقافات والأطياف الفكرية، فلماذا تخص قلة بعينها بأنها وحدها المتأثرة بالمناهج.
إن ما تعيشه بعض الفئات من غلو أو جفاء هو شيء حديث النشأة وليد الحدوث، ولكن السؤال الذي ينبغي إثارته لماذا اختلفوا في اتجاهاتهم الفكرية والثقافية مع أنهم درسوا منهجًا واحدًا؟ والجواب أن هناك مؤثرًا غير المناهج أنتج غلوًا لدى فئات كما أنتج جفاء لدى فئات أخرى، والسؤال مرة أخرى ما الذي أدى إلى اختلاف الرؤى والاتجاهات؟ والإجابة عن هذا السؤال كبيرة وواسعة، وهذا هو الذي يجب أن يبحث فيه وتوجه له مراكز البحوث وعقول العلماء والمفكرين جهودها لتفسيره بموضوعية.
إننا مطمئنون -بإذن الله- أن بلادنا موطن المروءة ورجاحة العقل وأصالة الرأي والقاعدة الصلبة في الأمن والاستقرار والثقة، وإن هذه الأعمال المجرمة الآثمة لن تؤثر -بإذن الله وحوله وقوته- على استقرار بلادنا وازدهارها، فلسنا وحدنا من يتعرض لهذه الأعمال الإرهابية الإجرامية.
ولهذا يجب ألاّ نبالغ في التحليل فنظن أن هذه الفئة الضالة الشاذة قادرة على تقويض أسس مجتمعنا والراسخ من ثوابتنا في ديننا وقيمنا.. كلا-بإذن الله- مع وجوب التصدي لها والوقوف صفًا واحدًا في رفضها ومقاومتها ورد الشاذين إلى جادة الصواب.
وبعد فليهنأ أهل الفضل والصلاح بدينهم في ديار المقدسات ولتهنأ الدولة -حفظها الله- برجالها الفضلاء والعقلاء ولتطمئن الأمة -بإذن الله- إلى وعي ولاة الأمور وتفطنهم ووعيهم في مثل هذه المواقف.
اللهم احفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة من كل شر، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها إنك سميع مجيب.